أصبحت أنت

 

وأنا أكتب " أصبحت أنت " أدركت (يا للعجب)، كيف في لا وعيي تحكّمَت ذاكرتي تفاصيل " ذاكرة الجسد لماذا عكس المنطق، اخترتُ رجلاً في الستين فقد ذراعه في الحرب، ليكون بطل قصة حب كبيرة  

من أين جاءتني هذه الفكرة العجيبة؟  كيف جعلته محبوبا لدى النساء برغم عاهته. ألأن أبي في نفس العمروهو في عز رجولته، فقد صوابه من دون أن يفقد جاذبيته، وعانى كما خالد بن طوبال من عطب عاطفي؟

كلاهما حمل ذاكرته على جسده، لقد شقيا لإفراطهما في جرعة حبّهما للجزائرمن دون أن تكون الجزائر أو (حياة) مَعنية بما ألحقته بهما من تطابق الرجلان في جلّ تفاصيلهما من دون  الطبيب الأجنبي الذي نصح خالد بالرسم ليشفَ من ذكرياته

هل جعلتُه يفعل ذلك لأن الطبيب نصح أبي بالكتابة كوصفة للتعافي بالنسبة لرجل شغوف بالأدب وبالكتب؟ 

وهل لأن أبي صادق الشعر والشعراء، خلقتُ شخصية (زياد) الشاعر الفلسطيني الذي غدا أقرب صديق لخالد بن طوبال

عندما عرض عليه ديوان شعره للنشر؟ وكما دافع أبي في أمسيتي الشعرية الأولى عن حقي في التعبير وكتابة ما أشاء

ودخل في نقاش عاصف مع الجمهور، رافضا أن يتمّ مصادرة الكلمة الحرة باسم الثورة قدم  خالد استقالته من منصبه كمسئول عن النشر في مؤسسة رسمية، دفاعًا عن ديوان صديقه رافضًا دور الرقيب الذي مُهمّته بتر قصائد الشعراء

 

هناك أيضا رسائل زياد إلى حياة في ذاكرة الجسد، التي وقع عليها خالد  في الحقيبة التي تركها زياد لديه قبل مغادرته إلى الجبهة 

والتي قرّر خالد بعد صراع مع نفسه نشرها في كتاب، متحاملاً على قلبه، منحازا للشعر لا للغيرة

هل جاءتني الفكرة من علمي بيوميات أبي والرسائل التي كان يكتبها لتلك المرأة

فقررت بعد ثلاثة عقود من الزمن كما خالد، أن أنشرها في هذا الكتاب انحيازا لنص شعريّ، لا للمنطق العائلي 

 ولأن " كل حبّ هو سياسيً " حسب مالك حداد، فقد كان حب أبي لتلك المرأة اليوغسلافية غير بعيد عن السياسة  لما كانت تمثله   يوغسلافيا لأحرار تلك الحقبة، تمامًا كحب زياد الفلسطينيّ لحياة الجزائرية في ذاكرة الجسد

وكما تخلّى أبي عن حبه الكبير، من أجل قضية أكبر، اختار زياد أن يضحي بحب حياته، ليلتحق بالثورة خشية أن ينسيه الاستقرار قضيته الأولى

 في الواقع، تلك الفتاة التي تخلّى عنها كانت أنا، آن لي البوح بذلك أمّا زياد، الذي يحمل خارج الرواية اسما آخر ما عدت بعد مُضيّ نصف قرن أتذكره فقد عاد إلى الذاكرة فجأة، حين بلغني سنة 2015 خبر موته هي قصة تستحق أن تروى على حدة، فقد مات زياد الحقيقي هذه المرة دون ضجيج خارج ذاكرة الجسد،،. 

 هي قصة تستحق أن تروى على حدة، فقد مات زياد الحقيقي هذه المرة دون ضجيج خارج ذاكرة الجسد لا في فلسطين كما تمنى بل بمحاذاتها من دون أن يحاول على مدى الخمسة عقود التي باعدتنا، الاتصال بي، برغم كونه قرأ الرواية كما علمت،،

 يا للشهامة، لقد ناضل (زياد) ضد نفسه في الحياة كما في الرواية، وأبى أن يُشهر حبي له أو يُتاجر به فكما أبي،

كان الحبّ لديه قضيّة ذلك أنّ من أحبوني ، ماتوا ولم يبوحوا بذلك

فقد كانت الشهامة لدّيهم شرطا عاطفيا أمّا المُدّعين والمُتبجحين، فهم يقدّمون الدليل بأنّ مثلهم ليس أهلاً لحبّ امرأة،

 هكذا تكون سيرة أبي قد لاحقتني في تفاصيلها التي نسيت، وتلك التي تناسيت و تشبثت بي كتابا بعد آخر،

وغدت مفتاح كلّ كتاباتي.  لكل هذا، ارتأيت وضع هذا الموقع المخصص لكتاب

 أصبحت أنت " ليكون في متناول الباحثين والطلبة المعنيّين” بأعمالي، كما لإضافة توضيحات

وتفاصيل شخصية جديدة، تؤكد ما جاء في الكتاب، وتجيب عن فضول قرائي

 

السيرة الذاتية تعيش بعد

  أصحابها، لذا تترك للأخرين مسؤولية روايتها

ولذا هي لا تفضح الموتى، بقدر ما تشي بأخلاق الرواة من الأحياء.

علينا أن نتحدث عن الغائبين بكثير من الحياء، أيّا كانت قرابتنا بهم،

فالحياء هنا ضرب من الوفاء، لمن لم يعودوا هنا ليصححونا.

أتصوّر أمّي تقرأ هذا الكتاب، ما كانت لتصححني، بل ربما مزقته،

فهي كنساء جيلها مكابرة، تحتفظ عميقا بأسرارها الموجعة.

وحده الحبر فضّاح، وما كان لها علاقة به. لو كانت تتقن الكتابة، لتفوّقت عليّ،

أجزم بذلك، فقد تفوّقت تقريبا في كل شيء إلاّ في الغفران.

امرأة من برج الجدي لا تغفر عندما يتعلّق الأمر بكرامتها.

أبي رجل من برج الحوت، أقرب الأبراج لبرج الحمل، لذا هو مثلي عاطفيّ شاعريّ،

لا علاقة له بالأرقام ولا بالتخطيط للمستقبل، قضيته الكبرى أنسته قضاياه اليومية الصغرى.

لعلّي لم أُنصف أمي، فهي من أنقذتنا من طيبته وعزة نفسه، فقد كانت امرأة استثنائية حقا في كلّ شيء،

أدهشت كل من عرفها، وأدهشتنا أكثر بعد موتها نحن أبناؤها، بحدسها الذي لم يخطئ في معرفة الأشخاص،

والتنبؤ بما سيقومون به لاحقا، أمر أتفوّق شخصيا في الفشل فيه.

 لأن ليس بإمكان الموتى أن يأخذوا معهم كل ّ أسرارهم، تولد الروايات بعد النهايات.

 ولعل حياة أبي ترويها نيابةً عنه،  

حقيبة اليد الجلدية التي رافقت أسفاره ، وتركها كعادته أسفل خزانته، بعد أن جمع فيها ما ظنّه مُهمًا،

وما كان يختصر حياته، في مجموعة وثائق ومراسلات

ودفاتر وجرائد احتفظ بها أكثر من نصف قرن بعناية مذهلة .

هذا ما يفعله فائقو التنظيم

عندما يستشعرون الرحيل. يبادرون بترتيب حقيبتهم الأخيرة.

فهم لا يحتملون الفوضى حتى عند الرحيل

(تماما كما فعل نزار رحمه الله)

 

 

  


 

 

هذا الموقع المخصص لكتاب " أصبحت أنت "و الذي يبدو السيرة الذاتية لأبي، يحمل بُعدا أدبيا يخصني،

وآخر تاريخيا وثائقيا ذا بُعدٍ وطنيّ. فهو يُغطي نصف قرن من تاريخ الجزائر،

من خلال مسار مناضل جزائري، أمسى بحكم مصادفات الأحداث،

منذ ميلاد " حزب الشعب الجزائري " في أربعينيات القرن الماضي،

أحد رجالات إرهاصات التحرير الأولى.

  لهذا الموقع ثلاثة فصول أتقاسمها، بإنصاف. .  مع أبي وأمي.

هي

أنت      

 انا

 

 وجدت نفسي، لمصادفة تاريخية كاسحة للألغام، لا فتاة شقّت طريق الضوء قبلي، في مواجهة

تلك المدينة الذكورية، المتقصيّة لأخباري، المتربّصة بأخطائي. لم أختر ذلك، ولا أردته، وكان عليّ أن أمشي متوقّعة لغما في كل خطوة، لكنني بسذاجة ما فراشة كنت أرى غير مروج الأزهار.

 

 

لم تستطع يومًا أمي أن تناديك باسمك ، أو تلفظه أمام أحد    كان اسمك " هو " و كان الآخرون يعلمون أنّ" هو " يعني : الشريف

منذ ذلك الحين صادقت النَّار، لحظةَ أدركت أنَّ الأوراق قد تطيح بالأعناق، أمَّا أمِّي فصادقت المقصَّ، مذ فصَّلت به جهاز عرسها، ثمَّ ثيابًا لنا، ثمَّ ثيابًا لغيرنا، يومَ ما عاد لنا من موردٍ سوى ماكينة خياطتها

شرفة منزلنا

 

كان البحر في مرمى بصرنا. يتلألأ خليج الجزائر نهارًا ويتلألأ مساءً مع كل حركة للسفن والمراكب في الميناء. هذا المنظر الخلاب تقدّمه لنا شرفتنا في الطابق العلوي