01

 

 سارة سليم

ناقدة و مترجمة

 

  أحلام مستغانمي في «أصبحتُ أنت»: سيرة روائية تقع باكراً في إرث الذاكرة

 

 يقال إن الكتاب الناجح يبدأ حين تنتهي من قراءته، ففي الدقيقة الذي تغلقه فيها لن تعاود النظر إلى كل ما تعودت النظر إليه بالطريقة ذاتها، إذ يتسع أفق تقييمك للأمور، وفي تلك اللحظة بالذات تبدأ في طرح التساؤلات عن كل الأشياء التي صادفتها من قبل ولم تلق لها بالاً، خاصة إذا جمع الكتاب ما بين السيرة الذاتية الشخصية، والتوثيق لمرحلة مهمة من التاريخ، أي أنك تقرأ العام والخاص بالتوازي تماماً، وفي نفس الخط السردي الممتع.

وهذا ما سيكتشفه القارئ للسيرة الروائية «أصبحتُ أنت»، أحدث إصدارات الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي، التي تنطلق فيها من الخاص لتنتقل إلى العام بمتعة أدبية تبقيك على فضول، فلا أنت أمام سيرة أدبية خالصة، ولا أنت أمام نص أدبي يروي التاريخ من وجهة نظر الأدب.

وثقت أحلام مستغانمي الخاص من زاوية التاريخ، وجعلت القارئ يرافقها إلى تلك الفترة، ويعيش بعض التفاصيل التي ذكرتها، خاصة فيما يتعلق بأحداث مضت من تاريخ الجزائر، لربما نتعرف ونحن نقرأ على بعض الأحداث. لكن هذا العمل يجعلك لا تتوقف عند هذا الحد، بل تبحث في كل ما قرأته سابقا، قد نعرف الكثير من الشخصيات التي ذكرتها مستغانمي، ولا شك قرأنا عن كل واحدة منها ما قرأنا، لكن الكاتبة استحضرت تلك الشخصيات التاريخية وأخرى انطلاقا من البعد الشخصي، للحديث عن أبعاد وطنية شكلت تداخلاً بين سيرة أحلام وسيرة الجزائر.

نقرأ الكتاب على أنه سيرة روائية لكاتبة تعيد استحضار سيرة والدها، لكن النص لم يتوقف عند كونه سيرة روائية يتداخل فيها الواقع والخيال لدرجة يصبح الواقع هو ما يحكم الخيال بنسبة كبيرة، بل تتجاوزه إلى التوثيق لمرحلة مهمة من تاريخ الجزائر بعد الاستقلال.

وفي الواقع لا تأتي مستغانمي على ذكر الأشياء كنوع من التوثيق البحت، تلك حيلتها في تمرير التاريخ، إنها لا تسرد ماذا حدث ذلك الوقت، بل كيف حدث بتعبير أورهان باموك الذي يقول: «لا تُقرأ الرواية لمعرفة ماذا سيحدث، بل كيف سيحدث». لذا يلحظ القارئ أن النص مليء بالرمزيات التي عرفت مستغانمي كيف توظفها روائياً.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى نقطة ملفتة تحدثت عنها الكاتبة في سيرتها هذه، وهي كيف حوربت كشابة عندما كانت تقدم برنامجاً إذاعياً شهيراً ذلك الوقت، يبث ليلا، يحمل عنوان «همسات»، وكل ما صادفته من عراقيل في بداية طريقها كطالبة متفوقة منعت من إتمام دراستها العليا، رغم أنها كانت ضمن أول دفعة معربة في الجزائر المستقلة.

هل حوربت لأنها أول فتاة تكتب باللغة العربية؟ أم أنها حوربت لأسباب أخرى تتعلق بأسرتها ووالدها؟

حين ينهي القارئ هذه السيرة الروائية سيكتشف كل هذا وأسبابا أخرى شكلت شخصية أحلام مستغانمي الأديبة التي حازت على الدكتوراه من جامعة السوربون تحت إشراف شيخ المستشرقين جاك بيرك، نالت الدكتوراه لكنها لم توقع يوماً بذلك اللقب الأكاديمي لأنها أرادته هدية لأبيها وحده.

والدها الذي تخاطبه في سيرتها هذه قائلة: «كلُّ كتاباتي كانت تنقصها دهشتك. كلُّ نجاحاتي كان ينقصها زهوك. أيُّ شقاءٍ أن تكتب للقارئ الوحيد الذي لن يقرأك».

وعودة إلى رمزيات النص، إن للحمام على سبيل المثال في هذه السيرة وظيفة الشخصية الروائية التي عليها أن تقول شيئا في الأخير.

فحين عادت بالذاكرة إلى لحظات الاستقلال، ما بين دخول الثوار إلى العاصمة أو ما أسمته بفيلم مثير تحت عنوان «الاجتياح الكبير» وعودة الفرنسيين إلى فرنسا، أو ما عبرت عنه على أنه مسلسل كبير بعنوان «الهجرة الكبرى»، ذكرت الحمام الذي كان شاهدا من وجهة نظرها على التاريخ تقول: «تأملاتي الأولى حول الحرية، تشكلت وأنا أتأمل الحمام».

كما ذكرت رمزية المصعد الذي يلتقي فيه الفرنسي بالجزائري أثناء فترة الاستقلال، إذ لم تتقبل جارتهم الفرنسية مدام كوزيت مقاسمة المصعد مع عرب حتى أنها لم تكن ترد التحية على والدها كما يتوجب، لذا لم ينس والدها إهاناتها له، فبرغم أنهما افترقا، إلاّ أن كل واحد منهما ما زال يريد أن يقول شيئا للثاني. تقول: «تعلمت من الأدب الفرنسي الكياسة، ومن جرائم الاستعمار الشراسة، فقررت أن تكظم غضبك، وتعدَّ لها ردًّاً أكثر أذًى من الكلمات. لن تسمع منك كلمة بعد الآن، في الصمت إهانة تفوق كل ما يمكن أن يُقال، فالصمت أعلى درجات الاحتقار. ألم يقل ديغول: وحده الصمت كبير؟».

تعود مجددا للمصعد الذي توقف عن العمل لتقول: «ثم… سنة بعد أخرى، وأنا أكبر، غدا المصعد المرصد لوطن كثيراً ما توقف به التاريخ بين طابقين».

في الحديث عن توقف المصعد وساعة الأزهار التي نشفت من الماء وتوظيف الحمام الكثير من الرسائل التي عرفت مستغانمي كيف تنثرها في سيرتها هذه على نحو سردي ممتع.

تحدثت عن حلوى «الميل فاي «Mille feuilles أو «ذاكرة الزمن الصعب « بتعبيرها، التي كانت تأخذها لوالدها في المصحة. وعن طعم «الميل فاي» يقول والدها: «تدرين.. الإشكالية في كل ما هو حلو، هي أننا حال الانتهاء منه نحتاج إلى الماء، وعندها يذهب المذاق، فنريد المزيد منه».

سيتوقف القارئ عند تحايل والدها على الطبيب الفرنسي بذكاء وكبرياء، حتى لا يعرف ذلك الطبيب أن ما أوصله إلى المصحة هو الجزائر أي أنه مرض بسببها. هنا تبين كيف يخفي الرجل الحر مأساته الحقيقية عن الآخرين، حتى أنها أعادت روائيا كتابة رسائله، واستحضرت حتى حماس تلك الليالي التي كان يقضيها ساهرا لأجل بلاده، وكيف كان يدرس كل عاملة تأتي إلى البيت لإيمانه بقدرة التعليم على إحداث الفارق الحقيقي في حياة البشر، إذ تروي في سيرتها هذه ما كانت تعنيه المكتبة لوالدها، المكتبة التي خسر بسببها كل مدخراتهم.

تقول: «كنت تحب الكتب كما رجال زمنك، وكانت أمي تحب المظاهر كما هو المجتمع اليوم، أما أنا فكنت أحبك، كما كل البنات المفتونات بآبائهن».

وعن المكتبة تقول: «تلك المكتبة تختصر شخصيَّة عائلتنا فرداً فرداً، كما تختصر ما آلت إليه الجزائر جيلا بعد جيل».

وعن رجال ذلك الزمن، نقرأ عن عبد الحميد مهري السبب الرئيسي الذي دعاها لكتابة ذاكرة الجسد، نقرأ عن محمد إسياخم، أحمد بن بلة. نقرأ أيضا عن خالها الضابط المتقاعد سي عز الدين، وخالتها بديعة، ووالدتها التي نزعت الحايك مع الاستقلال، ثم بعد ذلك ارتدت الحجاب، ولهذا كله رمزياته، لكنها تتحدث عن والدتها الإنسانة بكل صدق، الصدق الذي تقتضيه السيرة الأدبية.

في هذه السيرة الروائية نقرأ عن مصر والمرحلة الناصرية، وعن عبد الحليم حافظ، إذ يكتشف القارئ أنها توثق بذكاء لتاريخ الجزائر انطلاقا من عدة تواريخ وأحداث متداخلة وصمت تلك الفترة.

في السيرة الكثير من الإشارات لجرائم فرنسا ضد الجزائريين أقلها ضررا الألقاب السيئة التي منحتها فرنسا للجزائريين، وتلك الألقاب كان فيها بتعبير مستغانمي «اغتيال معنوي للإنسان الجزائري

وذكرت في السيرة ثلاث فرنسيات، كل واحدة منهن تمثل نوعاً معيناً من الفرنسيين.

هناك الفرنسية التي لم تغفر للجزائريين استقلالهم، والفرنسية التي حاولت أن تعيش مع الجزائريين، لكنها لم تستطع. والفرنسية التي خافت وغادرت.

تستحضر مستغانمي أيضا الفرنسيين الذين كانوا مع الجزائر حتى أنهم عُذّبوا وماتوا لأجلها، وهؤلاء لا يجب أن يسقطوا من الذاكرة أبداً، وقد ذكرت أمثلة عن هؤلاء كالمناضل اليهودي إيميل شقرون، وفرانز فانون، والصحافي هنري علاق، وفيرناند إيفتون الذي أعدم لأجل الجزائر.

حين تنهي الكتاب تتساءل عندما تصادف فرنسيا هل هو مثل الطبيب الفرنسي الذي كان يعالج مجانين فرنسا والجزائر معاً؟ أم أنه مثل الفرنسي الذي قتل الجزائريين كزوج مدام كوزيت، أم تراه مثل الفرنسي الذي ضحى بحياته من أجل القضايا الإنسانية العادلة أمثال إيفتون؟ أم هو مثل مدام سيمون أو لربما مثل مدام تكسيه التي تمنت لو «تأخذ معها الأحياء»، أم أنهم مثل مدام كوزيت التي ودت «لو أخذت معها أمواتها»، حسب وصف الكاتبة.

شكلت هذه التساؤلات وأخرى كتاب «أصبحتُ أنت»، لكنك حين تقرأه لن تصبح كما كنت، وهنا تكمن المتعة السردية في هذه السيرة الروائية التي جمعت بين الشخصي والأدبي، بين السياسي والعاطفي، بين الواقعي والاجتماعي، وهي التي تقول: «صغيرة وقعت في قبضة التاريخ. أصعب من الوقوع في الحب، الوقوع باكرا في إرث الذاكرة

لتجيب أحلام مستغانمي عن السؤال الأهم كيف أصبحتُ أنت؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

02

 

 سارة سليم

ناقدة و مترجمة

 

 

تصميم خاص لمجلة الفراتس

الوجوه المنسيّة من إرث أحلام مستغانمي الأدبيّ

 

عرّفَ كثيرون أدبَ أحلام مستغانمي بالأدبِ "العاطفي"، لكن مسيرة الكاتبة الروائية والأكاديمية والشخصية تخفي وجوهاً أخرى.

 

 

 

الوجوه المنسيّة من إرث أحلام مستغانمي الأدبيّ

تصميم خاص لمجلة الفراتس

 

مجلة الفراتس · وجوه أحلام مستغانمي الأخرى

صَدَرَت ثلاثيةُ "ذاكرة الجسد" الروائيةُ للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي سنة 1993 وسط ضجيجٍ إعلاميٍ صاخبٍ بين مشكّكٍ ومنبهرٍ. وزادَ ذلك الضجيجُ بعد فوزها بجائزة نجيب محفوظ سنة 1998. زادت الجائزةُ اتساعَ رقعةِ قرّاء الروائية الجزائرية واستمرّت شهرتُها حتى صنّفتها مجلّة فوربس سنة 2006 من بين عَشر نسوةٍ هنّ الأكثر تأثيراً في العالم العربي، وهي الأُولى بينهنّ في مجال الأدب ببيعها أكثرَ من مليونَيْ نسخةٍ، كما أوردت المجلّة. عَرَفَتْ مستغانمي كيف تخاطِب القارئَ بلغةٍ شِعريةٍ، فقد كانت شاعرةً في الأصل

 

خَلّفَت "ذاكرة الجسد"، و"عابر سرير"، و"فوضى الحواسّ" عاصفةً أدبيةً في العالم العربي. ما كان لغبار تلك العاصفة أن يَصِلَني وأنا طفلةٌ في الثانية عشر من عمري، فقد كان سنّي يحول بيني وبين فهمِ ما تحمله الكتبُ من أفكار. كنّا في بداية الألفية قبل ربع قرنٍ من الآن، وكان هناك إعصارٌ آخَرُ يهزّ الجزائرَ تمثّل في عشر سنواتٍ من الحربِ على الجماعات الإسلامية لم تترك للجزائريين من وقتٍ ولا مزاجٍ للحديث عن الأدب. وكان الكتّاب والمثقفون يتساقطون في حربٍ مُشهَرةٍ على الفكر. وكنتُ طفلةً صغيرةً أهرب من أخبار الموت التي تهيمن على الشارع إلى ما عثرتُ عليه في مكتبة بيتنا الكبيرة من كُتُب. فاكتشفتُ روايةَ "ذاكرة الجسد" واكتشفتُ بعدها من كتبِ أحلام مستغانمي الأُولى أن نظرتنا لما قرأنا تتباين من حينٍ لآخَر. فقراءتي لذاكرة الجسد في مرحلة الدراسة المتوسطة ليست كقراءتي لها في الثانوية، ولَم أعِش التجربةَ ذاتها عندما قرأتُها في الجامعة. وبكلّ تأكيدٍ اختلفَت البتّةَ عند قراءتي لها الآن، إذ صِرتُ أقرأ الأدبَ بجدّيةٍ أكثر في الكتابة النقدية عنه، وتعمّقت ُفي فهمه واحتككتُ بعالمه الواسع

 

ما زلتُ أَحفظُ، كما قرّاءُ أحلام مستغانمي، مقاطعَ كاملةً من كتابتها كما لو أحفظُ نصّاً شعريّاً. فهي القائلة: "عندما نفقد حبيباً نكتب قصيدةً. وعندما نفقد وطناً نكتب روايةً". أدخلَتْ أحلامُ على رواياتها الصيغَ التأمّليةَ في السياسة والحبّ والحياة التي كانت تضعُها على لسان أبطالها، والتي تحوّلَت مع الوقت وفي زمن الإنترنت إلى مقولاتٍ رائجةٍ جعلَتْ اسمَ قائلتِها في قائمةِ الأكثرِ تداولاً في المواقع

 

كلّما قرأتُ "ذاكرة الجسد" أعيدُ اكتشافَها من جديد. أكتشفُ في الروايةِ أفكاراً جديدةً، لا سيما أني تعرّفتُ بعدها على الكاتبة وعرفتُ كثيراً عن كتاباتها السابقة، أي التي سَبَقَت ذاكرةَ الجسد. واكتشفتُ أفكارَها التي حَصَرَها كثيرون في العالم العربي في قالبِ "الرواية العاطفية" الذي طعّمَت به رواياتها. وللكاتبة في هذا الصدد عبارةٌ شهيرةٌ تعبّر فيها تماماً عن فكرتِها هذه، فتقول: "الرواية هي آخِر حقيبةٍ لتهريب التاريخ. إنها تحايلٌ على الرقابة العربية، وعلى نقاط التفتيش. كيف أهرّب هذا التاريخَ المتآمَرَ عليه. هاجسي ألاّ تُمنَع رواياتي في أيّ بلدٍ عربيٍّ. سأكون حينها كاتبةً فاشلةً، تماماً كمهرّب ممنوعاتٍ غبيّ". ولمّا ناقشتُها في هذا التصريح، قالت أحلام بأن الرواية أسلوبٌ قبل أيّ شيءٍ آخَر؛ أي أنها اعتَمدَت أسلوبَها الخاصَّ في كتابة الرواية مستخدِمةً القصّةَ لإعادة كتابة التاريخ، بعيداً عن نقلِه حَرفيّاً وإثقالِ الرواية به. قد يلجأ بعضُ الكتّاب إلى إذابة التاريخ في المتن، بينما يُثقِل بعضٌ آخَرُ الروايةَ به على سبيل التوثيق. لكنَّ مستغانمي اختارت أن تذيبه بطريقتها الخاصّة.

 

كثيراً ما حُصِرَتْ أحلام مستغانمي في قالبٍ واحدٍ، مع أنّ من يتعمّق في قراءتها يجدُ وجوهاً أُخرى لأحلام، في رواياتها أو كتاباتها الأخرى. تُظهِر سيرتُها الذاتيةُ الروائيةُ "أصبحتُ أنتَ" المنشورةُ سنة 2023 وجهَ أحلام مستغانمي ذاك الذي تتحدث فيهِ عن أبيها محمد الشريف مستغانمي، السياسيّ والمثقّف الجزائريّ، وكأنّها أصبحَتْ أباها. وعلى من اطّلَع على معرفة أحلام مستغانمي الأكاديمية، وسيرتها الروائية في آخِر سيرتِها هذه يدرك تماماً مرجعيّتَها الفكرية والثقافية. قلّةٌ يَعلمون بأنّ لمستغانمي كتاباً باللغة الفرنسية بعنوان "الجزائر: المرأة والكتابة" صدر عن دارِ آرماتان الفرنسية سنة 1985. والكتابُ رسالةُ تخرّجها في علم الاجتماع من جامعة السوربون في فرنسا، بإشرافِ عالِم الاجتماع الفرنسيّ الشهير جاك بيرك. هذا الكتاب الذي قدّمه أيضاً جاك بيرك مُشِيداً بأهمّيته، لم يترجَم، بعدُ، إلى العربيّة، مع مرور أربعين سنةً على صدوره. ولعلّ الكاتبة استندت، في الفكرة الأولى لموضوعه، إلى تجربتها ومعاناتها الشخصية. فقد كانت من أوائل الجزائريات اللائي كَتَبن بالعربية، فكان عليها مواجهة مجتمعٍ خرجَ توّاً من الحرب، لا تختلف فيه عقلية المثقف عن الرجل العامّي في التعامل مع المرأة والتفكير بها.

 

حظيَت أعمالُ أحلام مستغانمي بشهرةٍ واسعةٍ لكنها قُرئت أحياناً قراءةً سطحيةً، فاكتُفِيَ بالقصّة بدلاً من الأفكار العميقة التي ناقشتها. ومَن يربط أعمالَها المختلفةَ، مثل رواية "ذاكرة الجسد" وسيرتها الذاتية "أصبحتُ أنتَ" مع دراستها عن المرأة والكتابة في الجزائر، فضلاً عن علاقتها بأبيها، سيكتشف أبعاداً جديدةً لشخصيتها أكاديميةً وأديبةً جزائرية. فهي استلهمت تجربتها الأدبية لاستعادة تاريخ الجزائر والدفاع عن قضايا المرأة.

 

عندما قرأتُ "ذاكرة الجسد" أوّلَ مرّةٍ أدخلَتْني إلى عالم الأدب. وعندما أعدتُ قراءتَها مرّةً ثانيةً وثالثةً اتّضحَت لي رسائلُ أحلام مستغانمي المتّصلةُ بالتاريخ، أو ما عبّرت عنه بقَولِها إنَّ "الرواية آخِرُ حقيبةٍ لتهريب التاريخ". إذ يكتشف القارئُ أنَّ الشخصية الروائية "حياة" في الرواية هي الجزائر التي تَنافَس للفوز بها المثقّفُ والمجاهدُ واليساريُّ والثائرُ، وفاز بها العسكريُّ. وتتّضح للقارئ رموزٌ عدّةٌ نثرتها الكاتبةُ في النصّ، كرمزِ يدِ خالد بن طوبال المبتورةِ، وقصّة زياد الشاعر الفلسطيني الذي تعرّف عليه خالد يومَ عُيّن رئيساً للمؤسسة الرسمية للنشر وجاءه بديوانٍ للنشر، فأبَى أن ينشرَه لعنف تعبيراته السياسية وتهجّمه على بعض الأنظمة العربية، وحين حاول أن يغيّر بعضَ ألفاظه رفض زياد ذلك، وقال وهو يستعيد الديوان ملمّحاً لذراع خالد: "لا تبتر قصائدي … سيدي، رُدّ لي ديواني".

 

نالت أحلام مستغانمي شهرةً واسعةً بفضل هذه الرواية التي فازت بجائزة نجيب محفوظ سنةَ 1998. تلك شهرةٌ لم تخطّط لها كما عبّرت في سيرتها الذاتية "أصبحتُ أنتَ". ولعلّ ما كَتَبَته في هذا الكتاب واصفةً أوّلَ أمسيةٍ شعريةٍ أَحْيَتها وهي في السابعة عشر من عمرها يختصر شخصيّتَها؛ إذ تقول: "لَم أطارِد الضوءَ يوماً. هو الذي اشتهاني. دخلتُ تلك القاعةَ أحلام، وغادرتُها أحلام مستغانمي". 

 

كانت بدايةُ أحلام في الجزائر صعبةً ومليئةً بالعراقيل. فقد كانت ظاهرةً أدبيةً نسائيةً يمكن أن تفسح الطريق لغيرها. وشكّلَت طموحاتُها عائقاً لمن أرادوا للأبواب أن تبقى موصدةً في وجه الجيل الجديد. طُرِدَت من اتحاد الكتاب الجزائريين، وطُرِدَت من المدرسة الثانوية لأنَّها كانت تعدّ برنامجاً شعرياً يومياً وتقدّمه، لتعيل به أهلَها. فقد كان والدها محمد الشريف مستغانمي في المستشفى إثر انهيارٍ عصبيٍّ بعد ثلاث محاولات اغتيالٍ، كما ورد في الموقع المخصّص للحديث عن والدها، الذي يحملُ صِنْوَ اسمِ سيرتِها "أصبحتُ أنتَ".وفي تحدٍّ آخر تقدّمت أحلامُ إلى شهادة الثانوية العامّة "الباكالوريا" من غير أن تكون مسجِّلة في المؤسسات التعليمية. وحين تخرّجَت من كلّية الآداب ضمن أوّل فوجٍ مُعَرّبٍ، بعد موجة التعريب في الجزائر المستقلّة، ذَكَرَت أحلام أنّ أساتذتها منعوها من إتمام دراستها العليا، وكانوا هم أنفسهم كتّاباً يسيطرون على المؤسسات الثقافية المعرّبة.

 

فتحت السيرةُ الروائيةُ "أصبحتُ أنتَ" كلّ تلك الجراح غير الملتئمة في دفاتر الكاتبة. فهي كثيراً ما ردّت على العداوات بالصمت، معتقدةً أنّ "الصمت جزءٌ من الإبداع" وأن كلّ ما هو خارجٌ عن الكتابة "ثرثرة" كما تردّد دائماً. شكّلت تلك العداوات التي وجدَتها في طريقها، سبيلاً لتعرّف مستغانمي نفسَها؛ إذ تسردُ في سيرتِها مشهداً مؤثّراً تصف فيه بكاءها لحظةَ أَعلَنَت اللجنةُ في جامعة السوربون نَيْلَها الدكتوراه بتقدير جيّدٍ جداً. وكيف أسرعَت وهي حبلى في شهرها السابع إلى أوّل مقصورةِ هاتفٍ لتخبرَ والدها المريض. وحين قال لها متأثراً: "كم يسعدني أن تحملي لقب "دكتورة" أجابته: "لن أوقّع بهذا اللقب يوماً. لقد غادرتُ الجزائرَ بسبب من يحملونه. فوزي به كان من أجلك وحدك". وَفَت مستغانمي وعدَها ذاك في أربعين عاماً. لن نعثر لها على أيّ نصٍّ بتوقيع دكتورة، حتى لَتبدو وكأنها تتبرّأ منه. تقول الكاتبة في سيرتِها: "لو حملتُه، لتحوّلت الهدية إلى مجرّد شهادةٍ أكاديميةٍ ترافق اسمي، وتميّزني عن قرّائي". 

 

ويبدو أنّ ما واجهَتْه أحلام في بداية مشوارها الأدبيّ هو ما جَعَلَها تناقشُ صورةَ المرأة في الأدب الجزائريّ موضوعاً لدراستها عند التحاقها بالسوربون. وكانت الدراسةُ شاملةً تجمع بين علم الاجتماع والأدب، وغطّت حِقَبَ ما قبل الاستقلال وما بعده من إنتاجٍ أدبيٍّ باللغتَيْن العربية والفِرنسية وبأقلامٍ نسائيةٍ ورجالية. أرادت أحلام فهمَ أسباب غياب المرأة عن الأدب الجزائري أو ما عبّرت عنه في دراستها بحِيرةِ "الأدب في مواجهة الشخصية الأنثوية". وأوّلت أحلام ذلك بقدسية المرأة الجزائرية وتقديس جسدها في أثناء الثورة والاستعمار، وقد شرحت ذلك مستحضرةً مقطعاً من رواية "رصيف الأزهار لا يجيب" للروائيّ الجزائريّ مالك حداد، عندما استغربَت "مونيك"، إحدى شخصيات الرواية، أن خالداً لم يُهْدِ روايتَه إلى زوجته فسألَتْه عن سبب ذلك، فقال: "أنا عربيٌّ يا مونيك، والحياءُ يمنعني. أعرف أن العاشق لا يخجل أبداً ولا حياء في الحبّ، لكنني مثل نسائنا اللّائي يستحيين من الأكل أمام الغريب". 

 

تطرحُ أحلام في دراستِها أنّ خجَل الجزائريّ من الحديث عن المرأة هو ما جعل الأمّ المرأةَ الوحيدةَ التي تشغل روايات الجيل الأول من الروائيين في الستينيات والسبعينيات. شغلت الأمُّ المساحةَ الأنثوية في أغلب الأعمال الجزائرية بالعربية والفِرنسية، لأن معظم الأعمال تنطلق من الطفولة بحيث غدت صورةُ المرأة ممثَّلةً في الأمّ المتعلّقة بابنها حدَّ الجنون، لأنه رجلُ حياتِها الوحيدُ. تقول مستغانمي في كتابها "الجزائر: المرأة والكتابة": "ولذلك لن نستغرب أن نرى معظم الكتّاب 'الذكور' يستمدّون مصدرَهم من الطفولة أو اللاوعي، ويضعون في مقدمة رواياتهم ثنائياً غريباً مكوّناً من الأمّ وابنها. لا يتشابك هذان المصيران فحسب، بل إن الأم أيضاً تحتلّ مكانَ الزوجة. إذا اختفت بمعجزةٍ ما، فسيكون ذلك لصالح زوجةٍ ذات صفات الأمومة". ويبدو هذا واضحاً كما تقول أحلام في رواية "نجمة" للكاتب الجزائري كاتب ياسين التي ترمز فيها شخصيةُ "نجمة" إلى الجزائر، و"الدار الكبيرة" للكاتب محمد ديب، وتسردُ روايتُه معاناةَ العائلات الجزائرية التي تتقاسم أو تعيش في بيتٍ واحدٍ أيام الاستعمار

 

تستمرُ أحلام في الشرح وتقول إنّ الكاتب الجزائريّ لا يتحرّر من قيوده الاجتماعية إلّا عندما يكتب بالفرنسية، شرطَ أن تكون البطلةُ فرنسية. وهذا انتصارٌ ما على فرنسا، لأن المرأة الغربية عنده "أنثى ملوّثة" تأخذ رمزيةَ فرنسا، كما في قصّة "فتاة الغزوات" للكاتب الجزائري عثمان سعدي. والمرأة الفرنسية لدى كتّاب اللغة العربية، كما الفرنسية، هي من تطارِدُ البطلَ المتمنّع غالباً، وفي أحسن الحالات هي سهلة المنال، كما في "لا حظّ ليحيى" للكاتب والمحلّل النفسي نبيل فارس. بينما لم يكتب الكُتَّاب بالعربية أو "المعرّبون" عن المرأة في الخمسينيات، إذ لم تكن هناك رواياتٌ جزائريةٌ بالعربية حينها. اقتصرَ نِتاجُ كتّاب العربية على بعض المجموعات القصصيّة في الستينيات، وذُكِرَت فيها المرأة التونسية تعويضاً عن المرأة الجزائرية. وتضربُ لنا أحلام في دراستِها أمثالاً لذلك المجموعةَ القصصيّة "دخان من قلبي" للطاهر وطار، ورواية "نهاية الأمس" لعبد الحميد بن هدوقة.

 

وتشيرُ أحلام في دراستِها إلى أنّه، عكسَ كتّاب الجزائر الرجال، كانت الكاتباتُ الجزائريات بالفرنسية أكثرَ توازناً في الحديث عن المرأة الجزائرية، والنظر إلى مشاكلها من الداخل بتعمّق. وأعطتْ مستغانمي مثالاً عن ذلك رواية "القبّرات الساذجات" لآسيا جبار. وتضيفُ أحلام أنّ الكاتبات الجزائريات قدّمن المرأةَ الأجنبيّة بصورةٍ إيجابيةٍ وباتّزانٍ، وأعطت مثالاً على ذلك روايتَيْ "سماء من رخام" و"الشرنقة" للكاتبة عائشة لمسين، ورواية "أبناء العالم الجديد" لآسيا جبار.

 

الملفت في دراسةِ "المرأة والكتابة" استنتاجُ مستغانمي بأنّ الأمير عبد القادر الجزائري كان أكثرَ تلقائيةً في التعامل مع موضوع المرأة من بعض المثقفين الجزائريين بعد الاستقلال. وتضع مثالاً تسميتَه زوجتَه بأمّ البنين. وتوجّه إليها في أشعاره مفاخراً بها ومتغزّلاً على استحياء. بينما بعد قرنٍ وأكثرَ ما زال الرجل الجزائريّ يتردّد في ذكر اسم زوجته أو إشهار قرابته بها، بل تغيب تماماً عن شعره، بسبب الاستعمار والهزّات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الجزائري فجعلته يزداد محافظةً، دفاعاً عن هويته. وتستدلُ مستغانمي بدراسةٍ للناقد عبد الله ركيبي بعنوان "دراسة في الشعر الجزائري المعاصر" صدرت سنة 1961، إذ يبدي عبدالله ركيبي دهشته "أمام خلوّ الشعر الجزائريّ باللغة العربية من أيّ قصيدة عاطفية". ويعيد ذلك إلى انَّ الحبّ عند الرجل الجزائري ضعف لا يتناسب مع رجولته، وعليه أن يتفادى الظهور في حالة العاشق الولهان.

 

دراسةُ مستغانمي تلك دراسة عميقة عن تدخّل اللغة في تشكيل وجدان الجزائريّ، وعليه استطلَعَت انقسامَ المجتمع باكراً إلى قسمين مختلفين: المعَرَّب المُحافِظ والمُفَرْنَس المتحرِّر. ولِارتباط العربية بالدِين انعكست تلك القدسية على كتابات الرعيل الأوّل التي جاءت خجولةً بشأن المرأة، ولَم تأخذ في التحرّر إلاّ مع عبد الحميد بن هدوقة في روايته "ريح الجنوب" المنشورة سنة 1970. أمّا الكتّاب المفرنَسون فقد خفّفت اللغة الفرنسية من حرجهم في الحديث عن المرأة، وإن قاربَ جيلُ الخمسينيات الذي ينتمي إليه الكاتب مالك حداد المرأةَ بشاعريةٍ كبيرةٍ تتجلّى في عناوين رواياته، "سأهبك غزالة". واستعملَ بعده رشيد بوجدرة في روايته الأولى "التطليق" المنشورة سنة 1969 كلماتٍ جريئةً لا عهد للأدب الجزائري بها آنذاك

 

وبالمجمل تُظهِر دراسةُ مستغانمي وجهاً أدبياً لا يعرفه القرّاء العرب عنها. إذ تلتزمُ الكاتبةُ البحثَ العلميَّ الدقيقَ وسبرَ مشكلاتِ المجتمع الجزائري بعد الاستعمار. وإن بدَت أحلام ناقدةً للمجتمع الجزائريّ من أدبِ كتّابِه الرجال وعلاقتهم بالمرأة، إلا أنّ سيرتها الروائية تكشف عن جانبٍ آخَر في تعلّقها هي بصورة الرجل الجزائريّ متمثّلاً في نموذجِ أبيها محمد الشريف مستغانمي.

 

يكمن مفتاح كلّ آراء مستغانمي ومواقفها في علاقتها بوالدها الذي يَشغَل أكبرَ حيّزٍ في كتاب سيرتها الذاتية "أصبحتُ أنتَ". فهو المناضل الذي عرف السجونَ، والمثقّف اليساريّ الذي كتب الشعر ودافع عن حقوق العمال وحقوق الإنسان وعُرف بنزاهته، حتى كُلّف بتوزيع الأملاك الشاغرة التي تركتها فرنسا بعد الاستقلال، كما حدّثتني أحلام. وأودتْ به أحلامه الوطنية الكبرى وأوصلته الخيباتُ إلى الانهيار العصبي والمصحّ العقليّ. لكنه بقي بكامل قواه العقلية. وحين سألَتْه يوماً صحفيةٌ عن ابنته، أجابها محمد الشريف مستغانمي بما أدهشها: "لقد جئتُ إلى العالَم فقط لأنجب أحلام. أريد أن أُنسَب إليها، كما تُنسَب هي إليّ". 

 

قد يلتفت القارئُ ممّا كتبته أحلام عن والدها إلى أن العلاقة بينهما لم تكن علاقة أبٍ بابنته التي يحبّ، بل تتعدّاها إلى أبٍ يرى ابنتَه الصورةَ الأمثلَ لتجسيد كلّ أحلامه. ولم يكن محمد الشريف ليثق كلّ هذه الثقة بابنته ما لم يكن يعرف أنها موهوبةٌ، وأنها يوماً ما ستنجح النجاح الذي يفتخر به. وهي ثقةٌ بنجاحٍ أوصلها لكتابة سيرةٍ روائيةٍ تَستحضِر والدَها إلى الحياة بدايةً من سرد تفاصيلٍ عنه، وعن تلك الحقبة المهمّة من تاريخ الجزائر، أي سيرة النضال من أجل الاستقلال وإقامة الدولة بعده. واستحضرتْ أيضاً كلَّ من كان لهم كبيرُ الأثر في حياتها وفي تاريخ البلاد. وهي بهذا جمعت بين العامّ والخاصّ، وبين السياسيّ والشخصيّ، وبين الخيالي والواقعيّ، لتعيد تمثيل حياة والدها بالكتابة. فحين كتبت رسائلَ متخيّلةً عن علاقة والدها بممرّضته في المستشفى، أرادت أن تكتب مشهداً روائياً وأن تفهمَ والدها بالحديث روائيّاً عن أشياء حقيقيةٍ تصف علاقتها به، فقد كانت تراسله في المصحّة مع أنها غادرت الجزائر إلى فرنسا.

 

لدى أحلام مستغانمي ثلاثة أخوةٍ هُم مراد وصوفيا والراحل ياسين، لكنَّها كانت الأقربَ لأبيها، كما أخبرتني. ورثت عنه ثقافتَه الواسعةَ، وبذرة جنونه أيضاً. فقد أنفقَ الرجلُ في لحظة كبرياءٍ وتحدٍّ كلَّ مدّخراته لشراء كلّ كتب صاحب أكبر مكتبةٍ في الجزائر، وهي مكتبة "العالَم الثالث". وورثَت عنه أيضاً حملَ قضايا كبرى في سنٍّ صغيرةٍ، إذ قالت: "أخطرُ من الوقوع في الحبّ الوقوعُ في قبضة التاريخ"؛ أي الهوس بالتاريخ. هذا ما يؤكّده أخوها مراد متحدثاً عن والده في شهادةٍ أدرجتها أحلام في موقعها. يقول مراد: "كان [أبي] يدري وهو الشاعر أن الكلمة هي الأبقى، وهي الأرفع، ولذا حَمّل ابنتَه إرثاً نضالياً لا نجاة منه. بحكم الظروف التاريخية لميلاد عملها الذي جاء منغمساً في القضايا الوطنية والقومية التي نذرت لها أحلامُ أدبَها، وفاءً لقارئٍ لن يقرأها يوماً. ولم تكتب أحلام سواه. عساها بأدبها تردّ عنه بعضَ ما ألحق الوطن من أذىً بأحلامه". نقع هنا على ألمٍ آخَر في كتابات أحلام مستغانمي، فالكاتبة تكتب لقارئٍ لن يقرأها، وهو والدها، لأنه لا يتقن العربية؛ اللغة التي أصرّ أن تتابع بها ابنتُه دراستَها. وإذا بالعربية تفصله عن أحلام وتفرّق بينهما. تقول أحلام في مقدّمة سيرتها: "ما جدوى ما أكتب ما دام ليس في المقابر مكتباتٌ ليقرأني أبي".

 

هل كان محمد الشريف يدري كم من معارك على ابنته أن تواجه لأنها اختارت الكتابة بالعربية. فقد بدأت العداوات تظهر واحدةً تلوَ الأُخرى فورَ نَيلِ أحلام مستغانمي جائزةَ نجيب محفوظ. إذ ذهب بعضُ الخصوم إلى نَسبِ "ذاكرة الجسد" إلى غيرها، في حملةٍ تبنّاها كثيرون بعد أن كتبَ مراسل مجلّة "الزمان" التونسيّ كارم الشريف مقالةً بعنوان "من هو المؤلّف الحقيقيّ لذاكرة الجسد" في جريدة "الخبر" الجزائرية سنة 2000. وهي حملةٌ جعلت الكاتبةَ تتصدّاها بجيشٍ من المحامين ضدّ وكالة الأنباء الفرنسية التي تلقّفت دعوى السرقة الأدبية ووزّعت خبرها على ثلاثين صحيفةً عربيةً صادرةً في لندن وتونس والجزائر. وإثر تلك الضجّة كتب الروائيّ الجزائريّ الراحل الطاهر وطّار مدافعاً عن أحلام مستغانمي، قائلاً: "إنما الجزائر كلّها حُسِدت في أحلام، كما تُحسَد في خريطتها وفي شهدائها، وفي كلّ ما لديها حتى من أحزان". ويضيف: إنما استهدفت "التعريب والكتابة الجيدة باللغة العربية بالذات استهدافاً". وهذا ما أخبرتنيه الكاتبة عند الحديث عمّا جرى بعد فوزها بالجائزة

 

تمتاز روايات أحلام مستغانمي بعناوينها الملفتة في إيحاءاتها. لكن ما تكادُ تشرعُ في القراءة حتى تجدَ مفتاحاً آخَر للعنوان، وتجدَ معانيَ تختلف عمّا قد يخطر ببالِ من لم يعرف الكاتبة وكتبها. "ذاكرة الجسد" مثلاً هي ذاكرة بطل الرواية خالد، المحكوم بحملِها في جسده، لأنه فقد ذراعه في الحرب. وهي ذاكرةٌ لا نجاة منها، فكلّما ابتعد زمن الثورة الجزائرية، تغيّرت علاقته بجسده، فما كان يصنع فخرَه غدا عاهتَه، والناس نسوا أنه مَن دَفَعَ ثمنَ حرّيتهم.

 

في حواري مع الكاتبة ذكرت لي كيف استدلّت على عنوان "ذاكرة الجسد". تقول إنها فكّرت فيه النقاش ذاته مع صديقتها الفرنسية التي نصحتها بتعلّم السباحة آخِرَ أيام صيفٍ ما، وحين علّقت أحلام أنها لو تعلّمت الآن ستنسى الصيف القادم، ردّت صديقتها الفرنسية: "للجسد ذاكرةٌ. فهو لا ينسى أيّة حركةٍ قمتِ بها. حتى لو ألقيتُ بك في البحر بعد عشر سنواتٍ سيتصرّف جسدك تلقائياً بفطرة الذاكرة الجسدية". الأمر نفسه في عنوان رواية "عابر سرير"، الجزء الثاني من ثلاثية ذاكرة الجسد، إذ يحمل إيحاءً لا يشبه محتوى الكتاب، فقد أخبرتني الكاتبةُ أنّه يحيل في الواقع إلى والدها في أثناء مكوثه في المستشفى. وتنقل هذا على لسان خالد بن طوبال، بطل الرواية، حين قال لصديقه الذي زاره في المستشفى وهو على سرير الموت: "قد لا تجدني إن عدتَ غداً فأنا هنا عابرُ سرير". وعندما عاد في غدٍ كي يطمئن على صديقه لَم يجده، بل وجد شخصاً آخَر مكانه، فتَيقّنَ أن صديقَه خالد قد مات.

 

حظيَت أعمال مستغانمي بشهرةٍ واسعةٍ، لكنها لَم تُقرأ في بعض الأحيان قراءةً جيّدةً؛ ذلك أنها حُصرَت في دائرةٍ ضيّقة، وهي دائرة القصّة لا القضايا التي ناقشتها الكاتبة بأسلوبها الخاصّ. ومن يعيد قراءةَ "ذاكرة الجسد" ويربطها بباقي ثلاثيّتها، ويقرأ كتابَها الأخير "أصبحتُ أنتَ" ويربط ذلك برسالة تخرّجها عن المرأة والكتابة، ويستحضر باقي أعمالها؛ سيعيد اكتشافَ وجوه أحلام مستغانمي الأُخرى. فهي البنتُ التي نالت الدكتوراه لأجل والدها. وهي الأكاديمية الجزائرية التي كتبت دراسةً عن المرأة والكتابة في الجزائر انتصاراً للمرأة. وأحلام الأديبة التي تستعيد برواياتها تاريخَ الجزائر

 

03

 

 

مقال الدكتور محي الدين عميمور

 

 

أحلام مستغانمي، بو مدين، عبد الناصر، عبد الكريم قاسم و...أنا

الشروق، المساء صوت الأحرار الرأي - اليوم اللندنية )

 

عندما اشتريت كتاب أحلام مستغانمي الأخير "أصبحتُ أنت" (بضم التاء الأولى) لم أكن أتصور أنني سأسترجع معه سنوات وسنوات من ذكرياتٍ أشعلت أحلام فتيلها بكتاب أنيق تجاوزت صفحاته الثلاثمائة.

الكتاب أساسا هو قصيدة حنينِ أديبةٍ لأبيها المجاهد المتوفى، وهو يبدأ بجملة تهز المشاعر بقسوة لا مثيل لها، إذ تتوجه الشاعرة بعد إهداء الكتاب لأبيها بجملة صاعقة تقول: "ما جدوى ما أكتب ما دام ليس في المقابر مكتبات ليقرأني أبي".

لكن الطابع الأدبي هو في الواقع جبل الثلج الذي يخفي في الأعماق ما هو أضخم منه حجما وتأثيرا وشجونا، حتى لكأنه طبق "أوردوفر" فاخر في مطعم باريسي عريق، تجد فيه شيئا من كل شيء، هو سيمفونية يؤديها عشرات العازفين، تقدم كل مجموعة منهم لحنا يختلف عن لحن الآخرين لكنه يتكامل معه

والكتاب أكبر من مرثية تخاطب فيها الشاعرة أباها ( سي الشريف) وتسترجع ذكرياتها معه وتسجل مواقفه معها وتشجيعه لها ودفاعه عنها، وهو ما يمكن أن يستنتجه القارئ من العنوان الذي اختارته أحلام لآخر إنتاجها الأدبي، وعبرت عنه بقولها: "اليُتمُ هو أن تُخطئ ولا يُصحّح لك أحد".

وسيفاجأ قارئ الكتاب وهو يلتهم السطور بأن هذه تفرض عليه أن يستعيد قراءتها أكثر من مرة، لأنه سيحس بأن أحلام هي "شهر زادٍ" معاصرة تروي له مشاعرها وجها لوجه، حتى كأنه يشعر بأنفاسها تصطدم مع أنفاسه، وبيدها تهزه إذا ذهب بعيدا في أفكاره وهو يتخيل أبعاد ما يلتقطه من سطور تنتقل به من استذكار عواطف الأبوة إلى استعراض وقفات تاريخية إلى تسجيل مواقف فكرية، وهكذا لا يشعر القارئ بأنه يسير في طريق طويل مُمْلّ تتشابه جوانبه ومعالمه.

والواقع أن أحلام استطاعت أن تكون ديبلوماسية أدبية متألقة للجزائر المستقلة في المشرق العربي، ولدرجة أدهشت من كانوا يتغرغرون بأن الجزائريين لا يتقنون اللغة العربية، بل ولدرجة أشعلت غيرة كثيراتٍ أصبن بعقدة "أحلام" عندما فشلن في أن يكون لهن نفس البريق الأدبي ونفس الوجود الإعلامي، برغم أنها في بلاد الغربة.

وكان لذلك التألق ثمن تقول عنه أحلام : "اكتشفت ألاّ أقسى من غربة اللغة إلا غربة المسافات"، ثم تقول:"حقيقة الكاتب تكمن فيما محاه لا فيما كتبه"، والذين يكتبون في المراحل الصعبة المعقدة هم من يفهمون خلفية هذه الكلمات، وتروي في هذا مقولة "لاروشفوكو" (فرانسوا السادس): كلما اشتد بغضنا صرنا أدنى ممن نبغضهم"، لكنه هو القائل أيضا : "نحن نغفر ما دمنا نحب"..

وفي لقطات برقية سريعة تخرج أحلام عن طريق حديثها لتستذكر عددا من رجالات الجزائر، وتذكر بعبد الحميد مهري ومقولته الخالدة: "لكل زمن رجاله وللرداءة ناسها" (حسب الصيغة التي قدمتها) ثم تتوقف لحظات عند الرئيس الأول للجمهورية، أحمد بن بله، ولا يحول تعاطفها معه من أن تقول عنه : "كان مسكونا بحماس المنتصرين وربما أيضا بتهورهم"، ثم تسترجع مقولة أبيها وهو يقول عنه: "لم يكن يملك من السلطة دهاءها بل فقط شهيتها".

وبنفس الأسلوب البرقي الخاطف والخروج عن المسيرة المنطقية للمرثية، تذكر بالفيلسوف الجزائري مالك بنابي، ولا تنسى تسجيل كلمات تعاطفٍ محتشمة تجاه الشهيد عبد القادر حشاني، القائد الإسلامي الحكيم الذي اغتيل في ظروف غامضة، خلال العشرية الحمراء .

وتؤكد ابنة قسنطينة منطلقها الوطني فتذكر بالمجازر الفرنسية التي لم تطُل العباد والبلاد فقط بل تجاوزت ذلك إلى الكتب التي استولت عليها القوات الفرنسية من عاصمة الشرق الجزائري الثقافية، بعد أن وقف جنود الاستعمار لمدة سبع سنوات عاجزين عن اختراق أسوار مدينة الجسور المعلقة، فانتقموا حتى من الكتب، وهكذا اقتحم الجنود كل مكان توجد به المجلدات والمخطوطات، بما في ذلك بيوت المواطنين، حيث تروي أحلام بأن عائلات كثيرة لم تخلع إلى اليوم ثياب الحداد على مكتبات أجدادها التي نهبها من كانوا أسوأ من التتار(ص68).

وسجلت أحلام، كأبناء وطنها، وفاءها لعبد الحليم حافظ، فتقول ( ص132) في أول عيد للاستقلال (1963) وقف عبد الحليم ممسكا بيد الرئيس "بن بله" وبيد "تشي غيفارا" وهو يُنشِد : "قضبان حديد اتكسّرت، والشمس طلعت نوّرت أرض البطولة، أرض العروبة، أرض الجزائر".

وتعود أحلام لتأكيد مشاعرها الوطنية فتُسجّلُ، في مجال الحديث عن الكُتاب، أنه فكتور هوغو ارتكب خطيئة لا تغتفر.... ضميره لم تهزه معاناة الشعب الجزائري، وكان يؤمن بالدور الاستعماري "الحضاري" (المزعوم) الذي قادته فرنسا.

وتستعرض أحلام بالكثير من المرارة موقف واحد من "شيوخ" الكتابة معها خلال الحفل الذي أقامة الرئيس هواري بو مدين على شرف الأدباء العرب في منتصف السبعينيات، وتروي ما حدث قائلة (ص 247) جاءني ليقول لي: عليكِ أن تغادري القاعة، لا نريدك هنا.

وتواصل قائلة: "كانت صدمتي كبيرة، تجمدت في مكاني، اغرورقت عيناي بالدموع، ولم أجد كلمات أردّ بها، وقبل أن أهمّ بالمغادرة إذا بالدكتور محيي الدين عميمور، المستشار الإعلامي للرئيس، يوقفني وهو يقول: الرئيس يسأل عنكِ.... سألني: أين شاعرتنا؟، قلت له: لست شاعرة وأنا على أهبة المغادرة، قال:كيف ذلك، الرئيس يقرأ لك، وإن واصلت الكتابة على هذا الخط سيكون لك مستقبل باهر".

وبأسلوبها الأدبي الخاص تروي أحلام مستغانمي ذلك في سطور احتضنتها جريدة الشعب في 29 ديسمبر 2013 فتقول: "كان لبومدين حضورٌ بهيّ و مُربك، فهو لا يشبه في شيء الرجل حادّ الملامح الذي كنا نراه على التلفزيون بالأسود والأبيض، كان فيه كثير من وسامة الوقار، وشيء من شموخ رجال يدركون أنهم يصنعون التاريخ في كلّ لحظة، حتى بصمتِهم ." 

 

 

وتواصل الأديبة بأسلوبها الخاص قائلة: صافحني (الرئيس) بحرارة تفوق بقليل سلامه على الأخريات، وعندما أبدى لمستشاره الدكتور عميمور إعجابه بما أكتب "شعرت بأنه رفعني إلى قامته الوطنيّة، وبرغم أنه غلّف كلماته بابتسامته تلك، فقد أربكني بذلك القليل من الكلام، وبيدٍ تباطأت في يدي، وكأنها تُودِعُني شيئاً، ودخلتُ في حالة صمت".

ثم تقول عن الرئيس بعد موته بأكثر من أربعين عاما: "ندمت بعد رحيله، لأني عن كبرياء وكراهية للتملق ما كتبت عنه في حياته ما كان سيسعده (..) لقد هزمني عنفوانه ونزاهته، فقد أحب الجزائر بدون مقابل، وغادرها وليس له فيها بيت سوى في قلوب الجزائريين (..) كان أفقر رئيس عرفته الجزائر، وربما كان هو وجمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم أكثر الحكام ترفعا عن الكماليات ممن عرفتهم الأمة العربية" (- ص206).

هذا الأسلوب الرائع الذي تجلي في "أصبحتُ أنت" هو الذي جعل من قراءة أحلام مستغانمي سبيكة من اللذة والفائدة التاريخية والثقافية، بأسلوب أعترف بأنني أغار منه لأنني لا أستطيع تقليده.

ملحوظة: تعمدت أن أذكر بأنني اشتريت الكتاب حتى لا يعتبر البعض أن هذه السطور القليلة هي مجرد شكرٍ مجاملٍ لأحلام، وأعترف أنني لم أستطع التخلص من القراءة السياسية للكتاب، الذي يستحق أكثر من هذه السطور حجما وتوسعا وثراء.

ولقد اختصرت حديثي تخفيفا على القارئ وترغيبا له في قراءة الكتاب وحرصا على عدم إزعاج عمنا عبد الباري والعزيزة مها اللذين يفضلان ما قل ودل

 

 

 

 

 

 

هند الزيادي

روائية تونسية 

 

 

(سيرة روائية) لأحلام مستغانمي

 لستُ أدري إن كنتُ الوحيدة التي وقعت في فخ أحلام مستغانمي، ولكنني ، على كل حال أعترف أنّه كان فخّا جميلا وقعت فيه بكلّ سرور، ترشّفت فيه كلماتها بلذّة ، كلمة ً كلمةً . الفخّ تنصبه لنا منذ أولى العتبات لما صرّحت بتماهيها مع هذا المخاطب المذكر "المجهول" أنتَ، ثم بحرصها على تحديد جنس كتابها بنسبته إلى "السيرة الرّوائية". وسأحاول فيما يلي توضيح ملامح هذا الفخ .

 لقد سارعتُ لشراء هذا الكتاب بلهفة ظنا منّي أنّه سيرة الكاتبة أحلام مستغانمي.مدفوعة باهتماماتي الأخيرة من ناحية بالسير الذاتية للكتّاب، بحكم تدريسي لها، ومدفوعة كذلك بالجانب التلصّصي فيّ، ذلك الجانب الذي لا يكاد أحد فينا يخلو منه ، وإن كان بمقادير متفاوتة بيننا.

تطرح هذه السيرة كما قلت منذ الغلاف إشكالية التجنيس لأنّ صاحبتها قدّمتها على أنها سيرتها الروائية، مما يعني أن أحلام مستغانمي هنا هي في معرض استعادة لتجربتها الذّاتية لكن بصياغة فنّية مخصوصة تتشكل حسب مقتضيات السرد والتخييل. ذلك أنها أعادت تشكيل مادة حياتها التي يفترض (كما يتطلّب الميثاق السيرذاتي ) أن تكون حقيقية بحسب "إكراهات السّرد" ، إن جاز التّعبير، فتخضعها لشروط تختلف عن شروط تكوّنها قبل أن تدرجها في سياق التشكيل الفنّي. وهكذا لم نعد نستطيع أن نتحدّث عن مطابقة تامة بين الوقائع التاريخية والوقائع الفنيّة المتّصلة بسيرة الكاتبة أو سيرة شخصيتها الرئيسة هنا في هذا الكتاب السّيري.

وأحسب أنّ احلام مستغانمي قد تعمدت اختيار هذا التجنيس لأنّه يعطيها مهربا جميلا كريما من مأزق البوح والتصريح والتقيّد، حسب اتفاقها مع القارئ، بالحقائق التاريخية التي ننتظرها منها، وهي التي عرفناها غيورة على خصوصيتها قليلة الظهور في البرامج

العنوان كما قلت سابقا يضعنا أمام ثنائية تتماهى فيها "الساردة" مع ضمير مخاطب مذكّر نكتشف أنه والدها فتحدّثنا عن أثره في تشكّل شخصيتها وتحدثنا عن علاقتهما الجميلة المتفردة بين أب وابنته التي تعتز به إلى حدّ التوحّد معه. أمّا الفخّ الذي تحدّثت عنه في بداية هذه المراجعة البسيطة فهو مراوغتها لانتظاراتنا ومخاتلتها لنا. ذلك أننا نكتشف مع تقدمنا في القراءة أن مستغانمي تراوغنا بذكر بضعة تفاصيل صغيرة مبثوثة هنا وهناك عن حياتها: طفولتها، دراستها الثانوية، بعض من تجاربها العاطفية الأولى الساذجة سذاجة المراهقة(المعلم، زميل الإذاعة...) وتتاحشى الكثير مماعملت هي على إيقاظ فضولنا لمعرفته. فنظن بذلك أننا نقرأ سيرتها الذاتية بينما الحقيقة أنها تريدنا أن نقرأ سيرة والدها الذي تفتخر به أيما افتخار. سيرة المجاهد الذي وصل إلى الجنون نتيجة نقائه الثوري وإخلاصه لمبادئه. فترسم لنا صورة "مُرمنسة" عنه.

Une image romantisée

 ولها في ذلك كل العذر والتفهّم لأن كل فتاة بأبيها معجبة وكل أب هو بطل إبنته وحب حياتها الأول والأخير. 

ولا تتوقف مفاجآت هذه السيرة عند هذا الحدّ بل نكتشف حين نواصل "تقشير طبقاتها" أننا أمام محاكمة تتحاشى الكاتبة أن تكون صريحة وواضحة تجنّبا لما يمكن أن تفتح عليها من جبهات مع الجهات المعنية بالأمر. فأحلام مستغانمي وهي تستعرض سيرة والدها المناضل الثابت على مبادئه إلى حد الجنون تحاكم رفاقه ولا تسمّيهم، تكشف تلوّث نقائهم الثوري بانتهازية ثورية وجشع المناصب والمكاسب. فإذا بالجزائر الشهيدة تتحول إلى بقرة حلوب يطمع الثوار في لحمها وحليبها وجلدها وسقطها ويتقاسمون كعكة الاستقلال كأجشع ما يكون. وإذا بالثّورة تأكل أولادها في سيناريو تقليدي لكلّ الثورات التي شهدتها الانسانية. كل هذا بلغة تمزج بين الواقعية السلسة والشّعرية التي لا تكتب مستغانمي دونها. وهذا ما شكّل في نظري نقطة قوة وسقطة أدبية في ذات الوقت ، للعجب،. فأنت ، أيّها القارئ، وأنت تتابع الكلمات والجمل تكتشف أن أبسط الأفعال والأحداث يتحول عند أحلام مستغانمي إلى بستان دلالات تتفتّح فيه الصوّر كما الورود فتغمرنا برائحتها اللذيذة وجمال ألوانها وأشكالها. تتحول معها أبسط الدلالات إلى غابة استوائية مكتظة بالصور والمعاني. في بعض المواضع كنت أقرأ بمتعة تجعلني أرغب في احتضان الكاتبة وتقبيلها شكرا لها على جمال ما كتبت وشاعريته. لكنني طوال عملية القراءة كنت أراقُب ، في باحة عقلي الخلفيّة ، تنامي شعور خفيّ بالانزعاج وعدم الارتياح، لم أعرف سببه مع كل تلك المتعة التي شعرتُ بها. صبرتُ عليه وراقبته بصمت وأنا أحاول فهم حقيقته وأسبابه دون جدوى فعلية حتى شارفت على نهاية القراءة ففهمت أخيرا مصدره. كانت تلك الشاعرية التي كُتبت بها السيرة، تلك التي اعتبرتها مصدر جمالية لا محدودة لها هي نفسها التي صارت سقطة أدبيةهنا. فالشّعر رغم جماله واتحاده بوجداننا ورقة كلماته يتنافى في فردانيته وذاتيته مع الموضوعية التاريخية الصّارمة التي ننتظرها من السّير الذاتية ، وما يجب أن يحتفظ به التاريخ والذاكرة من وقائع وأحداث .  

  ولا أعتقد أنّ مستغانمي كانت غافلة عن هذا فهو في النهاية خيارها الواعي ، ولكنّ المرجّح عندي في هذه السيرة الروائية الجميلة أن الشّعر كان مهربها من برودة الحقائق وصدمة الصور الواقعية، وحزن المصير الذي لفّ هذا البطل التراجيدي الذي حارب طواحين الهواء واصطفّ إلى جانب الوطن و الثوار، فكانوا أوّل من وجه له نيرانهم بعد استقلال الجزائر.

 وحده الشّعر يلطّف وقع تلك الكلمات الحادّة كنصل السيف. وحده الشعر قادر على أن يكون البلسم الذي يرطّب كل الجراح ويخفيها عن أعين المتلصّصين أمثالنا.

شكرا احلام مستغانمي أن أعدت لي الكاتبة التي أحببت قلمها في ذاكرة الجسد وفوضى الحواس

 

 

 

 

 

الكاتبة الناقدة المصرية فاطمة علي

_____________

 

لكل كاتب عقدة شخصية، عندها يتبلور إبداعه، ويتمحور حبره ويتناسل إنتاجه، كان جليًا لمن قرأ ثُلاثية الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي أن حبرها يطوف حول الوطن ويتخذ من عشقه محجة دائمة، إلا أن كتابها الأخير "أصبحت أنت" كان تفسيرا أكثر تفصيلا لهذه العلاقة الصُلبة التي ربطت أحلام بالجزائر، بهذا الرباط الذي جعلها تكتب ثلاثية غُلافها العشق وتقطر بماء الحب ولكن في أغوارها العميقة تقص تاريخ بلد عربي كبير بثورته ومجاهديه ولصوصه وجسوره وجباله وأحلامه وانكساراته، لخصته أحلام في سردية بديعة كانت أقوى أجزائها "ذاكرة الجسد"، أو ذاكرة وطن مُثقل روت تاريخه على لسان واحد من مجاهديه"خالد بن طوبال"، تبعته بذكر الكثير من أسماء الابطال والمجاهدين والسياسين في جزئين تاليين، وكان كتابها الأخير "أصبحت أنت" الذي لا يصح تماما أن يكون سيرة ذاتية أو سيرة روائية، بل هو أقرب لسيرة أبوة أو بنوة أو سيرة وطن، وهي عادة أحلام دائما لا فواصل عندها بين العام والخاص فالوطني الحقيقي لابد وأن يكون عاشقًا حقيقيا، الحب والوطن والصدق والنزاهة وشرف الوطن وشرف الحبيبة كلها أمور تأخذ نفس الطبيعة الواحدة، أبطالها لا تتجزئ مبادئهم، مَهيبين على جبهات القتال أمام أعداءهم ويملئون كراسيهم التي اسندها لهم الوطن عن نزاهة حقيقية، أو عن ترفع وزهد كبير حين يشتمون أن الأمور لا تحمل معنى كريم. كل أبطالها يعانون من داء التطرف، لا يعرفون المساومة على المبادئ ولا المسايسة ولا توفيق الأوضاع حسب تردد النغمة القائمة، لهذا هم دائما منفيون أو مقصيون، يعيشون على مفاخر أيام الرومانسيات الثورية ويفقدون عقولهم أمام فلسفة الواقع العربية.

تقص علينا أحلام سيرة والدها "شريف مستغانم" أب برتبة مجاهد، شهد فترة تاريخية صعبة وثرية من تاريخ الجزائر خاصة والوطن العربي عامة انتهت به إلى مستشفى أمراض عقلية.. بعد قراءة سيرة هذا الوالد، تُدرك إلى أي قدر أثر في أدب أحلام، بل كيف إستقت منه أحلام الصفات النفسية والشخصية لأبطالها، وكيف جعلت من قضيته قضايهم، كان "الشريف" إذا عُقدة الأدب المستغانمي، أبطالها يشكلون ملامحه، هو الذي أحب الأدب ولم يكن له عمل فأسكنته كل أعمالها، واستنطقته على لسان أبطالها بعد أن أخرسه الوطن ومعه جيل كامل من رفاق لم يكن لهم جينات التكيف وتنازلاته، وكما ذكر هو بأنه يكفيه أنه جاء إلى الدنيا لينجب أحلام، أرى أنّه قدم خدمة جليلة للأدب العربي بقراره نقل ابنته لمدرسة مناهجها بالعربية، إذ أهدى لنا مدرسة مختلفة في الكتابة وقلمًا وطنيا كما أراد.

لُنعيد ترتيب الحكاية إذا كان هناك أبًا مُجاهد، عاش كفاح سنوات التحرير تغرب وتألم وسُجن أحب وتعشق وحلُمَ، ثم صارت الجزائر لأبناءها أو تحديدا لحفنة من أبناءها فانهارت أعصاب الرجل وسكنه الجنون، أو لنكن أكثر دقه ثَبُتَ على مثالياته فاهتز عقله.. لكنه قبل أن ينطفئ تمامًا كان قد مرر جيناته إلى ابنته فأشعلت سراجه اللدن بتوهجها المبكر.. فلونت له عالم البياض الكثيف لمستشفى الأمراض العقلية، حمت إبنته عقله من أن ينزلق تماما لهوة الأنهيار، وواصلت كفاحًا ناعما كان سلاحها فيه الكلمة، في وقت لم تكن لكلمة المرأة وزنها في عالم يحكمه الرجال ولا تتسع فيه الأماكن لوجوه شابه.

لا تشعر بالغربة وأنا تقرأ في أدب أحلام سواء كنت من وادي النيل أو من المشرق العربي أو مغربه رغم كثافة السرد في كل أعمالها عن التاريخ القومي للجزائر شخصياته ومدنه وأحداثه، القصص العربية نغمة واحدة وإن اختلفت الشخصيات والأماكن، وهذا ما يُعطي لأدب أحلام طابعا قوميًا، ويُحتفى بقلمها إقليميا ويكون ذا قربى بكل قارئ عربي، وهو مايكثف الإحساس نفسه بأن التاريخ الذي يعيد نفسه في البلاد العربية يصل بنّا إلى استنتاج أنّ إشكال الديموقراطية في العالم العربي هو إشكال في بنية العقل العربي نفسه، في الإنساق التي يرى بها الغير والأنا والتراث والله والسلطة والحاكم، هذه تبصرات لابد وأن تخرج بها وأنت تقرأ الأدب المستغانمي الذي يقول في أعمق مراميه نحن نفشل في اختبار الديموقراطية منذ قرون، نتقدم إليه ولا نتأهل، بل كل تقدم نحوه هو لعب بالنار يخلف وراءه ألوف مؤلفة من الشهداء والمعتقلين والمشردين والمهتزين.

قصت أحلام أيضًا بجوار سيرة والدها، شيئا عن مراهقتها في ظُرف بديع يُخفف من وقع الأحداث، وتشبك فيه القارئ معها في السردية وهي عادتها أيضًا تعمد دائما إلى مَس مناطق التشاركات النسائية والهم العربي الموحد، كذا حكت عن بعض همومها في استطراد كان غريبا على مجرى القصة، إذ بدت مناطق متفرقة من الرواية مأهولة بحمولة زائدة من الاستطراد لملئ الفراغ أو لتخفف به الكاتبة حمولتها النفسية، خاصة تلك المواضع التي تحدثت فيها عن من أذوها على مر تاريخها أو استهجانها لبعض عادات العالم الازرق، كما تجاهلت لا أعرف إذا كان عن عمد أم لا ذكر الأسباب التفصيلية وبالأسماء للوقائع التي جعلت الثورة تأكل بنيها، وأسباب دخول والدها المستشفى كنتيجة لهذه الأحداث، فالأسباب العمومية التي ذكرتها كانت قد أشارت لها في رواياتها السابقة وفي لقاءاتها أيضًا، كانت فرصة أن تجعل الكتاب أكثر خطورة وتذكر وقائعا أكثر تفصيلية لتلك المرحلة وتُعطي للرواية خطورة مذكرات سياسية.

تحدثت أيضا عن والدتها بمحبة وشفقة وتفهم لامرأة من زمنها، شاء القدر أن تكون زوجة رجل كاريزماتي مُجاهد ومثقف ووسيم، وهي على حظ قليل من التعليم وكثير من ذكاء القلب، تعاطفت الأبنة مع أمها لكن البادي أن أحلام كانت أكثر ميلا لوالدها، ميل نفسي وميل شخصي وتكويني ميل انتماء، ميلا لا يظهر فقط في الملامح النفسية الواحدة للأب والأبنة و لا الملامح الشخصية للأب وأبطال روايتها ولكن ميلًا يبدو أكثر غرابة درجة أن تُطارد الأبنة أسرار قلب أبيها العاشق لامرأة ثانية غير أمها بعد عقود باحثة عن تتمة لقصته عسى أن تهديه أكتشاف يبرر عمرا من الانتظار .

لمن يريدون قراءة العمل، أي سرد وتلخيص لا يمكن أن يحرق رواية لأحلام لأن اللغة في رواياتها بطلا كما الحدث، فأنت تبحث لا عن القصة وحدها ولكن يعنيك كذلك الجملة السردية المُغمسة في الوجدان والتي تقطر حسًا وعاطفة وهو دوما ماتدهشنا به الكاتبة، يعنيك كذلك القرب والألفة لعبارات تضفرها الكاتبة من المشتركات الإنسانية الواحدة فإذا بك تضع خطًا تحت بعض الجمل كانت الكاتبة تعنيك بها، فإذا بها تفض شيئًا من نفسك أمام عينك فترتفع لمقام الأخت والصديقة.

 

كنت قد تعرفت على أدب الكاتبة منذ عشرة أعوام تقريبًا، اشتريت كتابها بأخر نقود كانت معي، ولم أعرف كيف كنت سأعود للبيت، صعدت إلى السيارة وخرجت منها وسرت في الشارع ودخلت باب البيت وأنا أقرأ في "ذاكرة الجسد"، لم استطع التوقف، أو تحمل انتظار الحكم في مصير خالد وأحلامه الثورية وكأنّي كنت سأتلقى الحكم على أحلام جيلي أيضًا، إذ كنّا نعيش كذلك نفس تلك الأحلام فقد كانت ثورات الربيع العربي وتوابعها على أشدها، وكانت ثُلاثية أحلام تناسب تماما المزاج العام آنذاك بتوابعه الرومانسية والدموية تناقضاته وجنونه وتطرفه، إذ سُرعان ماتحول الربيع العربي إلى خريف دموي، دون أن ندري بسذاجة شبان وصبايا مالذي حلّ؟! فوجدنا أنفسنا شبابا من كل بقعة عربية تقريبا نتزاور على صفحة السيدة أحلام، ونقص عليها ماكان يجري، جعلنا من صفحتها مفكرة بيضاء نُخربش عليها صدماتنا وألامنا ومنافينا؛ ظلم الأهل والأوطان لنا، استبداد العادات والسلطة، شكونا القصف والبرد والزلازل والفيضانات والمعتقلات، شكونا لها الأنظمة والاحتلال، شكونا الماضي والحاضر والمستقبل والقدر والحب، سجلنا على صفتحها أيام الوطن الكبرى وجراحاته الأشد، الفلسطيني واليمني والسوري والمصري والعراقي... الجميع كان يهذي، ونعيش نفس البياض اللئيم الذي عاشه "الشريف" في المصح العقلي، إذ غدونا جميعًا جيل كامل باهتززات عقلية ونفسية وجراحات غائرة وغدت أحلام خيمتنا، وكما مدت أحلام لأبيها مفكرة مدت ألينا فضاءا كبيرا من البوح ونشرت لكثير من الشباب والصبايا هذيانهم الداخلي، وكأنَّ أسطورة "العود الأبدي" حقيقة، والشخص سيكرر نفس اختيارات المواقف الحاسمة في أزمنة تالية ومع أشخاص آخرين، كانت أحلام تُعيد انتاج الماضي مع "شُرفاء" آخرين.. أشهد للذاكرة وللتاريخ ولأن أحلام كتبت هذه السيرة لتؤرخ لفصل في التاريخ العربي وتبر بوالدها، ومن نفس المنطلق أقول كانت أحلام لكثير من الشباب العربي خيمة وبيت ومفكرة بيضاء ووتد في زمان أشد في التنكيل بالعقل من زمن "الشريف". ولأني واثقة أنّه في زمان قادم سيُعتد بتوثيق الفيسبوك للأحداث والكلمات وستكون صفحاتنا متاحف حية لمن يأتون بعدنا، وسيجد الباحثين موادا حية وجراحات لازالت ساخنة على صفحة السيدة أحلام بالزمان والمكان والحدث تأريخًا لأكثر من عشرة أعوام من البياض العربي اللئيم وهذيانه الأشّد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بقلم سعيد خطيبي روائي جزائري 

 

أحلام مستغانمي تجعل من الرواية حقيبة تهرب فيها الممنوعات

 

 

 

 

أخيراً كتاب في مقام «ذاكرة الجسد». فقد جعلت أحلام مستغانمي من سيرة والدها شرفة تطل منها على تاريخ الجزائر، وأصدرت «أصبحت أنت» في كتابة سيرذاتية عارية، لا بطولة فيها سوى للجنون. لزمتها ثلاثة عقود قصد ترويض شوقها إلى والدها، وسرد ما حصل له منذ أن سُجن إلى جانب كاتب ياسين، عقب أحداث 8 مايو/أيار 1945، التي طالب فيها الجزائريون بالحق في الاستقلال، فقابلهم رصاص الاستعمار، إلى غاية رحيله عشية دخول البلاد عشرية رصاص عام 1992. بعدما قضى سنوات في مصحة أمراض عقلية أوصلته إليها محاولة اغتيال من طرف جزائري، وهو الذي نجا من الموت زمن الاستعمار، ففهم أن أخطر الأوقات هي أوقات النصر التي نفرز فيها بين الحقيقة والوهم، فعاش فيها شبه مسجون، من غير أن يتخلى عن عاداته في تدوين قصائد وملاحظات سياسية، وفي العودة إلى كتّابه المفضلين، على غرار هوغو ولامارتين.

محمد الشريف مستغانمي الذي عاش بين سجنين ولم يتعلم سوى الفرنسية ـ على غرار أبناء جيله ـ فأراد أن تثأر له ابنته بالكتابة بالعربية، دون أن يعلم أنه سوف يصير هو نفسه نصها الأهم. في «أصبحت أنت» (الصادر عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل) تكتب مستغانمي ممسكة بمشرط، لا تُبالغ في فتح الجِراح، بل تكتفي بما تحتاج إليه القصة، فليس من السهل على إنسان أن يرى والده ينحدر إلى ظلمات الوحدة والانهيار العصبي، من غير أن ينفعل، مع ذلك فقد حافظت الكاتبة على نسق يُراوح بين الألم والضحك، لم تمنع نفسها الحق في السخرية من قدرها، دون انحياز إلى شعارات حرب التحرير وما تلاها من شعارات ثورة زراعية وأخرى ثقافية، بل أعادت مراجعتها، مفضلة في السياق ذاته استحضار أصدقائها وعلاقتها المضطربة مع جيرانها ممن تبقى من فرنسيين، من غير شماتة في خصومها، وهي التي طُردت من المدرسة الثانوية جراء توافد المعجبين بها ـ وهي في السابعة عشرة من عمرها ـ الذين عرفوها من برنامجها الإذاعي «همسات» لكنها حازت شهادة البكالوريا، ثم منعت من دخول مؤتمر اتحاد الكتاب، في زمن عرفت فيه البلاد «حالة تخدير ديكتاتوري» فصارت أشهر كتاب بلدها، مثلما حُرمت من مواصلة الدراسات العليا، بعدما تخرجت في أول دفعة أدب عربي، فهاجرت وأتمت دكتوراه في السوربون.

ففي سيرة الوالد تتسرب ـ لا شعورياً ـ سيرة الكاتبة نفسها، التي على الرغم من علاقتها الوطيدة بأبيها عرفت علاقة صدامية بوالدتها، التي أردت أن تجعل منها «سيدة بيت» لكن أحلام مستغانمي كسبت معركتها العائلية في الأخير، بعدما راكمت خسارات لم تعوض عنها سوى الكتابة.

 

بين ديغول والجيش السري

 

تُحاور أحلام مستغانمي أربعة عقود من تاريخ الجزائر، مستعيدة حياة والدها المناضل القومي بين تونس والجزائر، متعقبة سفرياته في بلدان المعسكر الشرقي سابقاً، لكن مكانين اثنين يتكرران في هذه السيرة الروائية: حديقة ومصحة. للمصادفة أن هذين المكانين سيلعبان دورهما في تغيير مصير الجزائر، نقصد منهما: حديقة قصر الحكومة، حيث عمل والدها عقب الاستقلال، وقد أقام في عمارة مقابلة لها، ومصحة (مايو) في باب الوادي، حيث سينهي أيامه.

على شرفة قصر الحكومة ألقى شارل ديغول خطابه الشهير وقال كلمته التاريخية: «لقد فهمتكم» معلناً العد التنازلي لاستقلال البلاد، وفي باب الوادي اندلعت حرب 1962 التي شنتها منظمة الجيش السري من أجل جزائر فرنسية ومنع الجزائريين من بلوغ الاستقلال. هذان المكانان المشبعان بالرمزية سيكونان عماد هذا النص، الأول شاهداً على حلم الاستقلال، والثاني شاهداً على الموت لكل من حلم بهزيمة الاستعمار.

فمثلما قاست الكاتبة في الشفاء من حنينها إلى والدها، فهي لا تزال تُقاسي في الشفاء من ارتجاجات وطنها. إنها تُعيد تجميع (بازل) حرب التحرير، محاولة ألا تنسى أحداً، تستذكر من شاركوا فيها من أبناء بلدها، لكنها أيضاً تستحضر أولئك الأوروبيين الذين حملوا السلاح من أجل جزائر جزائرية، ثم محتهم الذاكرة، على غرار فرنان إيفتون أو هنري علاق، «مثلما كان بين الجزائريين خونة و»حركى» كان بين الفرنسيين شرفاء». وهي تسير في حديقة قصر الحكومة، وتنظر إلى الحمام يطير ويحط من حولها، مراقباً المارة مثلما كان البوليس السياسي يُراقب أنفاس الناس، كتبت: «تأملاتي الأولى عن الحرية تشكلت وأنا أتأمل الحمام».

 

عندما وصل والد المؤلفة إلى المصحة العقلية وجد نفسه مضطراً لخوض معركته الأخيرة. ليست معركة بالسلاح، بل ضد التاريخ. فقد وجد نفسه بين يدي طبيب فرنسي، برتبة ضابط، تكفل بعلاجه. قدر محمد الشريف مستغانمي أن «التعري أمام العدو مذبحة» لم يُصارح طبيبه بعلة انهياره العصبي.

 

بينما في المصحة تتذكر فضل والدها عليها أن كان سبباً في دخولها الأدب بعدما أتاح لها ـ عن غير قصد منه ـ مطالعة «زوربا اليوناني» فعلى الرغم من أن قراءتها في سن مبكرة حامت حول الرواية، فإنها كتبت شعراً. كانت حالمة إلى أن اختطفتها كتيبة مخابرات فجراً من البيت وقضت يوماً تحت رحمة المساءلات، لا لشيء سوى لأنها كذبت عن نفسها بأنها تعيش في بلد حريات. وحين أتمت مسودة «ذاكرة الجسد» توفي والدها، لذلك يبدو أن «أصبحت أنت» هو القطعة الضائعة من روايتها الأولى ـ التي دفعتها إلى مقدمة المشهد العربي ـ مع أنها في «أصبحت أنت» لن يجد القارئ قصصاً عاطفية متخيلة كما في السابق، بل إن الكاتبة نفسها ووالدها يصيران قصتان من قصص العشق. والدها في علاقته السرية مع فتاة يوغسلافية تدعى نتاليا، لا تتحرج المؤلفة من كشف رسالتها له، بينما أحلام مستغانمي تفشي علاقاتها المراهقة الأولى، وتقلبات مزاجها العاطفي في صورة مطابقة للمراهقة السياسية التي عرفتها الجزائر، حين الاستقلال، وعدم استقرارها على حب واحد، فقد كان العرب ـ حينذاك ـ أيضاً مولعون بالجزائريات، يرون فيهن صورة جميلة بوحيرد، صورة المرأة الجميلة والثائرة. جميلة بوحيرد التي حاربت من أجل تحرير الجزائر، «أكانت تتوقع أن إصلاح المصعد هو المعركة الأكبر» كي تصل بمشقة إلى بيتها، كل يوم، في الطابق الحادي عشر من عمارة متهالكة!

 

ما تبقى من طهارة حرب التحرير

 

عندما وصل والد المؤلفة إلى المصحة العقلية وجد نفسه مضطراً لخوض معركته الأخيرة. ليست معركة بالسلاح، بل ضد التاريخ. فقد وجد نفسه بين يدي طبيب فرنسي، برتبة ضابط، تكفل بعلاجه. قدر محمد الشريف مستغانمي أن «التعري أمام العدو مذبحة» لم يُصارح طبيبه بعلة انهياره العصبي.

كيف يخبر فرنسياً من بلد استعمر الجزائر 132 سنة، أن جزائريا آخر، ود كتم أنفاسه عقب الاستقلال؟ كيف يسمح لنفسه بإهانة التاريخ والإفصاح عن أن الجزائريين باتوا يتقاتلون في ما بينهم عقب خروج المحتل؟ إلى آخر رمق كتم والدها سره وراوغ أسئلة الطبيب، حفاظاً على ما تبقى من طهارة حرب التحرير. خيّر نفسه بين فضح سبب حالته والمساعدة على العلاج أو إخفائه كي لا يشوه صورة مواطن له. خدع الطبيب الذي نصحه بالكتابة، فأصفح عن دفتر علني يدون فيه قصائد وأفكار عابرة، كي لا يثير الشكوك، بينما الدفتر الآخر الذي دون فيه آراءه السياسية ظل مخفياً إلى غاية رحيله. لم يشأ أن يكشف عن خيباته ما بعد الاستقلال، عن اهتراء أحلامه مثلما اهترأت العمارة التي لم يغادرها منذ 1962. تعطل مصعدها في صورة رمزية عن تعطل مصعد نمو البلد.

ففي هذا الكتاب لم تلبس الكاتبة ثوب الحياء، بل غامرت صوب الفضح، ولم تستثن والدها، فكتبت نيابة عنه رسائل حميمة إلى حبيبته السرية. فوالدها كان على النقيض من أمها، قارئ ورجل دولة «تعلم من الأدب الفرنسي الكياسة، ومن جرائم الاستعمار الشراسة» بينما والدتها سيدة بيت، انشغلت بماكنة خياطة في زمن أوقفت فيه الحكومة معاش الوالد انتقاماً منه عن مواقفه، ورهنت حليها في بنك من أجل توفير مصروف البيت، فتلك الأم القادمة من تنشئة محافظة، لم تكن تود سوى أن تصنع من أكبر أبنائها (أحلام) امرأة ماكثة في البيت، تثبط كل رغبة لها في التحرر بكلمة: «عيب». لكن المعنية لم ترد أن تنشغل يداها سوى بالكتابة، ففي «أصبحت أنت» تكتب عن لحظات ضعفها أكثر مما تكتب عن لحظات زهوها. لم تلزم أحلام مستغانمي ـ فقط ـ ثلاثة عقود كي ترتب أوراقها وتكتب هذه السيرة، في تداعٍ حر للذكريات، حيث يتقاطع التاريخ الفردي بالتاريخ الجمعي، بل لزمتها أيضاً جرعة من الجنون كي تتخلص من ثقلها وتضعها بين يدي القارئ. «نحتاج أن نفقد صوابنا أحياناً، كي نثبت للآخرين أننا على صواب» كما كتبت، فقد شغلت ـ طويلاً ـ دكة الشاهد عما يدور من حولها، قبل أن تفرج عن هذا الكتاب الذي هرّبت فيه ممنوعات التاريخ في بلدها، مثل «حاملي الحقائب» الذين كانوا يهربون السلاح في حرب التحرير.

 

 

 

 

 

 

 

 


 بقلم / بروين حبيب

شاعرة وإعلامية من البحرين

 

 

    حكاية حارس الأوهام 

إذا اجتمعت قصّة استثنائية عن حياة لم تكن عادية، مع لغة ساحرة بشاعريتها وجملها التي ستصبح مقولات أشبه بالحِكم. فالناتج عن ذلك سيرة روائية ممتعة حدّ الدهشة. تشد قارئها بتفاصيلها المشغولة بأنامل متمرّسة تعرف كيف تبقي شعلة التشويق متقدة إلى آخر كلمة، وتجعله يحاول التكهّن أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الخيال، وهل ما بين يدي القارئ سيرة تلخص حياة صاحبها، أو رواية متخيّلة أقنعتنا كاتبتها أنها ابنة الواقع.

هذا ما فاجأتْ به الروائية الجزائرية «أحلام مستغانمي» قرّاءها بعد طول انتظار في «أصبحتُ أنتَ» الصادرة عن دار نوفل ببيروت. فلم تكتب صاحبة «ذاكرة الجسد» هذه المرة رواية عمودها الفقري الحب، ولا حتى عادت إلى شغفها الأول الشعر الذي صاحبته وهي صغيرة. بل كتبت سيرة روائية كما جاء على غلاف الكتاب. تناولت مثلّثا تُمثّل الكاتبة ووالدها وبلدها أضلاعَه الثلاثة. وعبر حكاية رجل من زمن آخر أشبعت أحلام مستغانمي فضول قاعدة قرائها الكبيرة بما لم يكونوا يعرفونه عنها، وأرَّخت لنفسها بالتوازي مع قصة والدها من بداياتها إلى وفاته التي تزامنت مع صدور «ذاكرة الجسد» الرواية التي صنعت مجدها الأدبي سنة 1992.

هي حكاية أحد مجاهدي الثورة الجزائرية -التي أدهشت العالم في منتصف القرن الماضي ببطولاتها وتضحياتها- يدعى «محمد الشريف مستغانمي» أرادت ابنته أن ترد له الاعتبار بعد أن أوصله صراع الإخوة بعد نجاح الثورة إلى حافة الجنون، فدخل مستشفى الأمراض العقلية، لأنّ الحلم الذي ضحى لأجله بأجمل سنوات عمره نفياً وتشرّداً وسجناً وفقداً للأحبة رآه يتكسّر على واقع مناقض لكلّ ما كان يأمله. وأرادت الإبنة أيضا أن تردّ له الفضل في كل نجاحاتها، بل رأت نفسها نسخة منه طبق الأصل، صرحت بذلك علانية في عنوان الكتاب «أصبحت أنت»، ولعل أكثر ما حزّ في نفسها أن والدها لن يستطيع قراءة ما كتبته عنه، وذكرت حسرتها هذه في أول جملة من كتابها حين قالت «ما جدوى ما أكتبُ ما دام ليس في المقابر مكتباتٌ ليقرأني أبي».

تروي «أحلام مستغانمي» في سيرة والدها أو سيرتها أو حتى سيرة وطنها لا فرق، الحكاية من بعد انتصار الثورة الجزائرية وانتقالها مع أسرتها إلى السكن في العاصمة في شقة مستأجرة في بناية قرب قصر الحكومة حيث كان يعمل والدها. وترسم بدقة لوحة للأماكن المحيطة ببيتها الجديد، وتحكي سيرة ساكنيه الفرنسيين الذي استعجلهم استقلال الجزائر على الرحيل. ومن خلال نماذج من جيرانها وهي نماذج نسائية نرى التناقض في تقبّل فكرة خروج الجزائر من عباءة الاستعمار الفرنسي، وما انتاب هؤلاء النساء من مشاعر الخوف حيناً والحقد حيناً آخر، ولكنهن في الأخير لا يملكن سوى الرحيل لأن أصحاب الأرض استردوا حقوقهم، وإن كانوا فوضويين أو لم تهذبهم الحضارة فحتى هذه الصفات المستبشعة وليدة ليل الاستعمار الطويل، فهم في الأخير «خريجو جبال لم يجلسوا منذ قرن على كرسي».

هذه السيرة الروائية هي حكاية «الطموحات المحبطة» -كما عنْوَنَ ألبرتو مورافيا إحدى رواياته- وما تفعله بأصحابها. فحين يعطي رجل حياته لقضية حالما بغد أفضل، ثم يجد أن رفاق الدرب يتقاتلون على توزيع المغانم، ويلطّخون بياض الثورة بسواد المطامع، لا يبقى أمامه إلا سبيلان: أن يلامس الجنون أو يغتاله الذين انحرفوا بالثورة عن مسارها، وهذا ما تعرّض له والد الكاتبة من محاولة اغتيال أوصلته إلى مستشفى الأمراض العقلية، ليترك عائلة تعتمد في معيشتها -بعد أن أوقِف راتبه- على مكنة خياطة الأم وعلى موهبة فتاة مراهقة تقدم برنامجاً شعرياً ليلياً أكسبها شهرة دفعت ثمنها غاليا في مجتمع ذكوري محافظ.

ولم يعان الأب وحده من جزائر ما بعد الاستقلال فابنته التي كانت ضمن أول دفعة معرّبة في المدرسة الجزائرية عانت أيضا، فوالدها الذي أراد لها أن تحقق ما لم يستطع تحقيقه هو من إتقان اللغة العربية كما كان يتقن الفرنسية ويحفظ قصائد شعرائها، وحماها مرارا ودافع عن حقها في الكتابة ورعى موهبتها واعتزّ بها، لم يكن يعلم أن ابنته دفعت ثمن ذلك حيث تسببت شهرة برنامجها الإذاعي في طردها في آخر فصل دراسي من البكالوريا نتيجة حقد مديرة أكلتها الغيرة من نجاح تلميذتها. واعتُبر وجودها غير مرغوب فيه في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب المنعقد في الجزائر، لأن دينصورات الثقافة المكرسة آنذاك استكثروا على شابة صغيرة أن تصدر ديوانا وتقدم برنامجا وتكتب في الصحف. لتكتمل دائرة العقبات برفض قسم اللغة العربية بكلية الآداب أن تتابع دراستها العليا مما أوقد نار التحدّي بين جوانحها، فسافرت إلى فرنسا ونالت دكتوراه في علم الاجتماع بإشراف وتقديم المستشرق الكبير ومترجم القرآن إلى الفرنسية «جاك بيرك».

تفاصيل الكتاب كثيرة نتعرف من خلالها على «أحلام» الطفلة والمراهقة والطالبة والعاشقة وبدايات كتاباتها. في زمن كانت الأحلام فيه أكبر من الواقع وفي بلد يرى النور بعد قرن وثلث من ظلمة الاحتلال، ويستفيق على صوت عبد الناصر وأغاني عبد الحليم التي أولعت بها أحلام مثل بنات جيلها، وترافَق ذلك مع أول حبّ في حياتها لأستاذها المصري للغة العربية، وهو فصل أجادت ربطه مع أغاني عبد الحليم ومشاعر الحب الأول وأوهامه. وكشفت فيه عن قدرة فائقة على الكتابة الساخرة لم تظهر من قبل في رواياتها. فرغم الحكايات المؤلمة التي حفل بها الكتاب عن رجل أقامه حبه لوطنه على تخوم الجنون، لا تخلو هذه السيرة من طرافة بعض قصصها كالببغاء الذي كان أول عاشق لأحلام والذي نالت بسببه علقة من جدتها.

وهناك أيضا الفصول التي أنسنت فيها الأشياء مثل المقاطع المطولة التي كتبتها عن الحَمام الذي كان يستوطن حديقة الساعة المجاورة لشقتهم التي اقترحت فيها «على المخابرات العربيَّة أن تتحالف مع الحمام، فهو أخطر من عصافير تويتر المغرِّدة التي تتجسَّس عليها، وهو قادرٌ على سماع أصواتٍ منخفضةٍ لا يمكن للبشر سماعها»، أو الفصل الذي تحدّثت فيه عن الحقائب، وربطت الحميمي بالوطني حين تعرضت لمن عرفوا ب«حاملي الحقائب»، وهم المثقفون الفرنسيون الذين تعاطفوا مع الثوار الجزائريين وساعدوهم وتحملوا لأجل ذلك السجن. دون أن نغفل مقاطع تجمع بين الطرافة والنظرة الفلسفية حين تتحدث عن عشقها لحلويات الميل فوي (الألف ورقة)، وهو ولع امتد من طفولتها إلى دراستها في فرنسا حيث كانت توصي أخاها أن يجلبها لها من الجزائر، وما ذكرته عن فلسفة الحلو بلسان أبيها «إن أردنا أن نحتفظ بالمذاق الحلو علينا ألّا نشرب، وهذا مستحيل... كل ما هو حلو يليه الندم، لأنه لا يبقى في الفم».

تجيد «أحلام مستغانمي» أسر قارئها بسرد متماسك مطعّم باستشهادات مختارة بعناية لرسول حمزاتوف ومالك حداد ونزار قباني وغيرهم. وبجمل تعوّدها القارئ منها تصلح أن تكون حِكَما يُستشهد بها، يتناقلها القرّاء كأنها معالم على خريطة الحياة، من ذلك تفسيرها للرائحة بأنها « اعتذار عطر لم يحضر فناب عنه حضن غير مرئي يُشم»، أو «الكتابة إعادة تدوير للخسارات» وعشرات من أمثال هذه المقولات التي ستجد لا محالة طريقها بيسر عبر التغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي.

تختم أحلام سيرتها الروائية برسائل حب أرسلها والدها إلى حبيبة يوغسلافية عاش معها قصة حبّ وأدتها ظروفه وزوجته، ولا ندري هل كتبها الوالد بأسلوبه وقد كان يكتب الشعر بالفرنسية، أم صاغتها أحلام بحرفيّتها على لسانه. أعقبتها بخاتمة وجدانية أعادتها بعد سنوات إلى حيّها القديم مستحضرة خالد بطل روايتها «ذاكرة الجسد» في تماهٍ يصل حد التطابق مع والدها الذي كتبت سيرته وسيرتها عبره، فهما الاثنان ليسا سوى «يتامى الحبّ وحرّاس الأوهام».

 

 

 

 

 


 الكاتب السر أحمد سليمان السودان       

أصبحتُ أنتَ

 

 إذا كان للحب نهاية فهي نقطة التماهي بين المحب والمحبوب، وذوبانه فيه، واستنطاق الذات بلسان واحد، يعبر عن تفاصيل التفاصيل عن نظرة المحب للمحبوب، ونظرة المحبوب للمحب. وعند هذه اللحظة كتبت الروائية الجزائرية المبدعة الدكتورة أحلام مستغانمي كتابها "أصبحت أنت"؛ وهو سيرة روائية عن والدها السيد محمد الشريف مستغانمي، وذلك بعد أن مضى على رحيله ثلاثة عقود. وقد صدر الكتاب هذا الكتاب الجميل في مطلع هذا العام 2023م.

 

  و"أصبحت أنت" هو تصوير لفظي سينمائي فائق الدقة، للمشاعر والتفاصيل العاطفية، والحياة الأسرية للكاتبة وأمها وبعض أطراف أسرتها، والشأن العام للجزائر أيام الثورة التي كان أبطالها رفاق والدها يقاومون المستعمر الفرنسي العنيد، فتقمصت الأديبة شخصية والدها كبطل ثائر، وعبّرت الأديبة عن إخفاقات جيل الاستقلال في حق الثورة والثوار فكان والدها أحد الضحايا لضياع الأحلام الكبيرة على أيدي بعض صغار النفوس الذين سعوا لحصد الغنائم قبل أن تجف دموع أبناء الشهداء. 

 

   والكتاب مشحون بالرسائل المثيرة التي تلمس جوانب مختلفة للحياة الخاصة والعامة، في الجزائر خاصة والعالم العربي أيضا، وذلك لأنّ الكاتبة تغوص في زوايا المجتمع وتتلمس أساليب التنشئة وآثارها على السلوك، وتقفز إلى التعليم النظامي وتحولاته من الفرنسة إلى التعريب بدون إعداد ولا ترتيب، وهكذا تنقلك من مشهد لمشهد بسلاسة وعذوبة.

 

  والكتاب تجده أحيانا كأنّه سيرة ذاتية عن الأديبة بلسان ومشاعر والدها منذ أن كانت جنينا حتى اختيار القابلة التي استخرجتها للحياة، وكيفية اختيار اسمها وكافة التفاصيل في تعليمها وعملها ونموها عبر الأطوار العمرية المختلفة. 

 

   وأحيانا أخرى تجد الكاتبة كأنّما هي مؤرخة، تكتب عن البطل الجزائري السيد محمد الشريف مستغانمي (والدها)، وحياته الأسرية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمهنية، والمحيط العام الذي يعيش فيه والتداخل بين العام والخاص وحركة العالم وثورات التحرر من الاستعمار.

 

  وأحيانا أخرى تجد الكتاب كأنّما هو محاكمة للذات من خلال تقمص الأديبة لشخصية الوالد، وإبراز البطولات التي لم يعبر عنها في حياته؛ مثل الأمانة في توزيع الأراضي والسكن في شقة مستأجرة، والجدية في التربية، والقناعات الثورية، والتضحية من أجل الوطن، والحب المكبوت والعلاقات العاطفية. ومن خلال الكتاب تبرز الكاتبة التحدي القوي في شخصية الأديبة ومقاومة نقاط الضعف وتحويلها إلى فرص للقوة، وذلك نتيجة لوجود والدها.

 

   وبصورة عامة فكتاب "اًصبحت أنت" هو مخزون ورصيد ثر من الأدب والخيال والثقافة والتعبيرات الجميلة والحكم الحياتية العميقة، وفيه فقرات وجمل من خلاصة تجارب الحياة، وهو حافل بالثقافة العالية من خلال الإشارات للكتب والكتاب والعلماء والأدباء.

  والكتاب يدخلك الجزائر بلا سفر فتعيش مع الجزائريين حتى تصبح أنت منهم، ويدخل الجزائر إلى وجدانك بلا استئذان فتمتلئ جنبات نفسك بحبها.

 

   وفي الختام فإنّ الكتاب هو نموذج للسيرة الذاتية الإبداعية الذي يذكرنا بما كتبه أديبنا الراحل الطيب صالح عن صديقه منسي، والذي يمكن أن تقرأه كأنما هو سيرة ذاتية عن الأديب نفسه من خلال المقارنات الموقفية بينه وبين المكتوب عنه؛ وهذا النوع النادر والفريد من الإبداع الأدبي يفوق المذكرات الشخصية العادية، التي كتبها العديد من الأدباء ليعبروا عن سيرتهم الذاتية.

 

- السر أحمد سليمان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الناقد الجزائري لونيس بن علي

الرواية العربية ما زالت تبحث عن شرعية الكلام الحر 

صحيفة القدس العربي

 

 

 

أحلام مستغانمي في كتاب السيرة «أصبحت أنت»: رهانات روائية على استعادة جماليات الحداد

 

 

تحت ضغط العُمر، تغدو السيرة الروائية محطة لابد منها لمراجعة الذات لنفسها، واسترجاع ذكريات الماضي، وفتح ألبوم الصور القديمة للتأمل في الوجوه القديمة. وفي سيرتها الروائية «أصبحتُ أنتَ» لم تكتب الروائية أحلام مستغانمي عن حياتها كمجرد سيرورة حياتية في الزمن، بل قدّمت لنا نصّا مكثّفا بالمعاني والتأمُّلات والرؤى، مبرزة على نحو محوري علاقتها الخاصة بوالدها المجاهد سي الشريف، الذي كان حضوره في حياتها طاغياً.

كانت هذه السيرة الروائية نصا مؤجلا، إذ لم يكن سهلا على أحلام الكتابة عن والدها الذي عاش حياة صعبة، انتهت به في أروقة المصحات العقلية، قبل أن يفارق الحياة في صمت مطبق. فليس هناك ما هو أصعب من كتابة الرثاء، إذ تحتاج هذه الكتابة إلى عمر بأكمله لاستيعاب الفقد.

كتبت مستغانمي منذ الصفحات الأولى من سيرتها تقول: «أعجب للذين يُسارعون في الرثاء. الصدمة الكبرى تأخذ صوتنا، لا تترك لنا من كلمات. الحزن الكبير ذهول لا دموع له». شعرتُ بأنّ ما كتبته كان انتشالا للذات من صخب الذاكرة الموجعة، مدركة – في نظري – بأنّ العالم اليوم لم يعد يكترث للحِداد إلا في شكل استعراض باهت، ينتظر ببلاهة تفاعلات الكائنات الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي. ودون مبالغة، استعادت أحلام، بهذا النص السيري الباذخ، ألق الحزن، وجماليات الحِداد.

ما شغلني كقارئ في هذه السيرة، بعد أن قرأتها باستغراق شديد، هي جملة من التأملات التي تصب حول شكل الكتابة السيرية، منطلقا من سؤال جوهري: لمن كتبت هذه السيرة؟ وصولا إلى علاقة الكتابة بالذاكرة وما بينهما من التباسات. أما جانب الحقائق السيرية، فأنا من الذين يميلون إلى أنّ هذه المعلومات قد تغذِّي فضولَ القرّاء العاديين الذين يبحثون خلف الجُمل عن أسرار ما، في حين كانت عيني النقدية أكثر انتباها إلى ما أسميته بأسئلة الكتابة. والجميل في هذه السيرة أنها راهنت على الأدبية وعلى البعد العاطفي أكثر مما راهنت على الوثائقية.

لمن كتبت مستغانمي سيرتها الروائية؟ تقول بكثير من الأسى: «أيّ شقاءٍ أن تكتب للقارئِ الوحيدِ الذي لن يقرأك». وكانت تقصد بذلك القارئ الوحيد والدها، المرحوم سي الشريف. ما تسميه مستغانمي بالقارئ الوحيد، أسميه أنا بالقارئ المُستحيل؛ هو مستحيل لسببين جوهريين: أنّ والدها لم يكن يتقن اللغة العربية، وبذلك لا يُمكن له قراءة ما تكتبه ابنته، وثانيا وفاته التي تزامنت مع صدور روايتها الأولى «ذاكرة الجسد».

ذكّرني سؤالها بسؤال قد طرحه الأديب الجزائري مالك حداد في كتابه «الأصفار تدور في فراغ»، معبِّرا عن مأساته ككاتب جزائري يكتب عن الفلاحين الذين لا يستطيعون قراءة ما كتبه عنهم، وقد ربط حداد سؤاله بقضية الكتابة باللغة الفرنسية. ومن المهم أن أفتح قوسا هنا لأتحدث عن مكانة مالك حداد في أدب مستغانمي، فهو ابن مدينتها قسنطينة، وهو الأديب الذي أثّرت شعريته على أسلوبها في الكتابة، ناهيك أنّ صاحب «رصيف الأزهار لا يرد» جعل الفرنسية منفاه، وقرّر بعد استقلال الجزائر التوقف عن الكتابة بها، متحسراً على عدم إتقانه للّغة العربية، فقد شغفت بأدبه، لذا أهدت روايتها الأولى «ذاكرة الجسد» له.

لكن، ما تراه مستغانمي شقاء كان أيضا نعمة لها، ولا نعتبر هذا تناقضا في موقفها، لكن استغلالا ذكيا لغياب هذا القارئ الوحيد الذي لأجله فقط كتبت نصوصها، ذلك أنّ الغياب حرّرها من سلطة ذلك القارئ، فكتبت بكل حرية، وإلاّ ما كانت قد كتبت نصوصها؛ إذ تروي قصة بداياتها الشعرية، سواء في المدرسة أو في البرنامج الأدبي الذي كانت تقدّمه في الإذاعة الوطنية حيث رفض والدها الفكرة من أساسها، لكن وجوده في المشفى كان عاملاً إيجابيا لها من جهة الكتابة.

تتأرجح سيرة مستغانمي الروائية بين الذاكرة والنسيان، بين ما لا يُمكن كتابته وبين ما لن يُكتب بسبب النسيان. ما قد يُكتب ليس بالضرورة ما ينبغي تذكره، فالالتباس قائم بين الكتابة والتذكر؛ ذلك أنّ ما يصعب كتابته ينتمي للسيرة، وما يمكن كتابته ينتمي للرواية.

لماذا كتبت مستغانمي سيرة روائية ولم تكتب سيرة فحسب؟ إنّ حدود الالتباس في مصطلح السيرة الروائية واضح، وقد خاض فيه من تخصص في هذا النوع من الكتابة. إنها تقول: «أن تكتب أي أن تتذكّر»، وفي مكان آخر تستدرك: «لا أحد يريد أن يحكي ماذا فعل، ولا ماذا رأى». وعندما علمت بأنّ طبيب والدها فرنسي، طلبت من والدها أن يكتب لمواجهة أسئلته، وسيكون مدخل الكتابة هو تزوير ذكرياته: «عليك إذن إعادة صياغة قصتك، وترتيب أكاذيبك. ارو ما حدث أو ما كنت تود لو أنه حدث. لكل رواية صيغتان، إحداهما لم توجد إلا في خيالنا، ماذا لو كان شفاؤك في تزوير ذكرياتك؟».

يُمكن قراءة سيرة مستغانمي كوثيقة تاريخية عن حياتها، وبداياتها الأدبية، وتجاربها الأولى مع الحب ومع الخيبات، وهي أيضا سيرة لعلاقتها بوالدها المجاهد سي الشريف، وهو مناضل في جبهة التحرير الوطني، ناضل خارج الوطن، وبعد الاستقلال تقلد مهام دبلوماسية رفيعة المستوى، قبل أن تسقط أحلامه النضالية في مستنقع الحسابات السياسية، التي غيّرت مسار الحلم، فينهار نفسيا لأنه لم يتحمّل قوة هذا الزلزال التي دمّر كل أحلامه. ستتحدث أحلام عن علاقته السرية بامرأة من براغ، لتكتشف بأنّ داخل والدها ينام شاعرٌ رهيف الحسّ، اكتشفته في مخطوطات نصوص كتبها.

حضور اللغة الأدبية لم يكن حضورا للأسلوب الأدبي الذي يهدف إلى امتاع القارئ، ولو أنّ نصيب المتعة حاضر. الكتابةُ هي التي تجعل الذكريات حية، بل عندما تندلع من الكتابة حرائق الشعر والاستعارات يصبح للذكريات شكلاً أدبيا، وتتحوّل كلّ ذكرى إلى قصة أدبية. لم تستحضر مستغانمي ذكرياتها، بل صاغتها داخل شكل أدبيّ؛ فالأدب وحده يمنح الضوء الأخضر للذات لتتكلّم عن ماضيها.

ليس هناك ما هو أصعب من مواجهة الماضي، والصعوبة تأتي من عملية ترتيب الذكريات، تقول مستغانمي: «وبعيدا عن الكتابة، هل يجب أن نحتفظ بكل ذكرى، أم أن نتخلص فورا منها. أن ننجو من دكتاتورية الأشياء غير الضرورية، التي تتحكم فينا إلى الأبد، لأنّها يوما كانت جزءا من حياتنا؟». أمام جدار الحقيقة، يأتي الدور للروائية لاستكمال المغيب في الذاكرة؛ فحياة والدها ظلت بالنسبة لها مليئة بمساحات من الصمت، لاسيما قصته مع تلك المرأة التي كان يتبادل معها بعض الرسائل.

 

سيرة التحولات

 

لم تكتف مستغانمي بسرد سيرتها الذاتية، لكنها أيضا ألقت ضوءا كاشفا على مراحل تاريخية حاسمة في تاريخ الجزائر، وكانت شاهدة على عنف التحولات التاريخية، مبدية موقفها مما كان يحدث، خاصة بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكم بن بلة، وقد طالت نيران هذا الانقلاب استقرار عائلتها، وبسببه تعرّض والدها لأزمة نفسية، ففُصل عن العمل، وتم إيقاف معاشه، في حين كانت الغنائم والألقاب توزع على من يستحقها وعلى من لا يستحقها، وأصبحت الثورة مجرد ذريعة فقط لتبرير النهب.

لقد أدركت مستغانمي أنّ خطأ والدها أنه كان رجلا حالما، كل ما كان يقوم به بجهد كبير كان فقط لأجل تسريع ماكينة الأحلام كما قالت، لكنه في الوقت نفسه كان يدفع بعقارب الوهم بقوة نحو المجهول، فكل ما حلم به تحول فجأة إلى سراب، ذلك أنّ الذين تقلدوا السلطة سرقوا جميع أحلامه، وغيّروا مجرى الاستقلال. لم يكن والدها في نظرها إلا تمظهرا تراجيديا لمحنة سيزيف مع عبث العالم.

ليست هذه السيرة في الأخير، إلا طريقة لسرد قصة والدها الذي كان له التأثير الكبير على حياتها، وعلى مستقبلها الأدبي، إذ لم تنس كيف أنه فاجأها في إحدى الأمسيات الشعرية بحضوره، ثم صعوده إلى المنصة للدفاع عنها من المنتقدين. ومن شدة تعلقها به، فقد أصبحت هو: «بعدك أصبحتُ أنتَ. أعدتُ اقتراف كل حماقاتك، خسرتُ بسخاء، وبسخاء تهكمتُ على خساراتي».

ستتحدث مستغانمي أيضا عن المناخ الثقافي الذي كانت تتحكم فيه عصبة من المثقفين الطاعنين في السن، ممن كانوا يحاربون الأصوات الجديدة؛ وبسببهم مُنعت من حضور أول اجتماع لاتحاد الكتاب العرب الذي أقيم بالجزائر، بل تم اقتيادها إلى مركز الأمن لاستجوابها بسبب كتاباتها. «كانت الجزائر في سبعينيات القرن الماضي، تعيش حالة تخدير دكتاتوري، نتناول فيه جرعتنا الإخبارية اليومية من الشعارات، دون إمكانية للنقاش. مطمئنين إلى أبوة بومدين و «أمومة» حزب جبهة التحرير».

وفي الأخير، وعلى أهمية ما كتبته مستغانمي من حقائق مسّت حياتها وحياة والدها، إلاّ أننا نشعر بوجود فراغات في هذه السيرة يُمكن أن تمهّد لسيرة أخرى تكون هذه المرة عن مسيرتها الروائية، وسردا تكوينيا عن تجربتها في كتابة الرواية، أي أن تنتقل إلى مستوى آخر من السيرة وهو الكتابة عن سيرة رواياتها. وأكيد أنّ ذلك سيلقي الضوء على أهم تجربة روائية عربية أسست للأدب الجماهيري (بالمعنى الإيجابي للكلمة)، وأثارت حولها الكثير من المعارك النقدية والأدبية والتي كثيرا ما اُستعملت فيها الأسلحة المحظورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 زهية منصر إعلامية

 

أحلام مستغانمي وذاكرة "الميل فوي"

“أصبحت أنت”.. سيرة مجاهد ظلمه الاستقلال

 

 

 

تقف أحلام مستغانمي في كتابها الأخير “أصبحت أنت”، من شرفة التاريخ لتطل على سيرة والدها المجاهد الشريف مستغانمي، وتعبر صاحبة “ذاكرة الجسد” تاريخ الجزائر عبر “ثلاث حقب” الثورة، الاستقلال، وما بعد الانهيار ودخول الجزائر مرحلة الإرهاب، إذ يكتشف القارئ في هذا الكتاب مدى ارتباط الكاتبة بوالدها وأثره عليها ودوره في مسارها الأدبي والعلمي، ومن خلاله تفتح أحلام نافذة لقارئها لاكتشاف جزء من مسيرتها ومن يقف وراء أشهر أعمالها “ذاكرة الجسد”، كما لم تنس في السياق أن تفتح بعض ذكرياتها ومحطاتها وتشير للذين ساهموا في عرقلتها .

تعود أحلام لدفاتر والدها المجاهد الشريف مستغانمي، الذي عرف سجون فرنسا رفقة كاتب ياسين عقب أحداث 8 ماي 1945 وحياته في تونس وعودته إلى الجزائر عشية الاستقلال، ثم انهياره العصبي على إثر محاولة اغتياله، بعد أن دخلت الجزائر مرحلة تصفية الحسابات بين رفقاء السلاح، ثم رحيله عام 1992 بعد دخول الجزائر نفق العنف والإرهاب.

تحيلنا أحلام في هذا الكتاب إلى سيرة والدها “الشاعر المثقف التقدمي”، الذي منعه الاستعمار من تعلم اللغة العربية فوجد فرصة لتثأر له ابنته أحلام وتكون من ضمن الخرجين لأول ثانوية معربة في الجزائر.

في هذا الكتاب الصادر عن “هاشيت أنطوان نوفل”، يكتشف القارئ مصدر إلهام أحلام ومدى تعلقها بوالدها وأثر تلك العلاقة على إبداعاتها لاحقا، فقد عمل والدها على دعمها في أول أمسية شعرية نظمتها رفقة الراحل الطاهر جاووت بقاعة الموقار “يوم دخلت القاعة أحلام وخرجت منها أحلام مستغانمي”، فعلى غير عادة رجال جيله دافع الشريف مستغانمي عن ابنته ولم يقمعها وتصدى للهجومات التي طالتها من القاعة فكانت بدايتها للانطلاق الإبداعي.

في سيرة أحلام وسيرة والدها إطلالة أيضا على الجزائر وشعارات الثورة وحرب التحرير وصراعات ما بعد الاستقلال، إذ لم تفوت الكاتبة الفرصة لتقف عند من تسبب في إقصائها والوقوف حجر عثرة في طريقها، منذ أن منعتها مديرة الثانوية من اجتياز امتحان البكالوريا في الثانوية، لأنها صارت وهي مراهقة نجمة عبر برنامجها الإذاعي، بعد أن اضطرتها الظروف للتكفل بعائلتها، لأن معاش والدها المجاهد تم إيقافه عندما دخل مصحة الأمراض العقلية، ومُنعت أحلام أيضا من حضور مؤتمر اتحاد الكتاب، رغم أنها كاتبة ومبدعة وكانت عضوة فيه، وبالطريقة ذاتها مُنعت من مواصلة الدراسات العليا واجتياز الدكتوراه التي حصلت عليها لاحقا من جامعة السوربون، لكنها فضلت دائما لقب أحلام مستغانمي وأهدت لقب الدكتوراه لوالدها.

بقدر ما كانت علاقة أحلام متينة ومتواطئة مع والدها، كانت علاقتها بوالدتها صدامية فعلى عادة الأمهات أرادت لها أن تكون “ست بيت”، لكنها ربحت في الأخير المعركة وتمكنت من الخروج من دائرة “العيب”، ونفضت عنها قدر “ست البيت”، واعتنقت قدرا آخر له علاقة بما راكمته من خسارات وانكسارات على مر العمر والمحطات.

كسبت مستغانمي معركتها العائلية في الأخير، بعدما راكمت خسارات لم تعوضها عنها سوى الكتابة.

بعض الأماكن في العاصمة الجزائرية نعبرها بدون أن تلفت الانتباه، لكن مع أحلام صار لتلك الأماكن ذاكرة وتاريخ وقيمة تاريخية أو معنوية على غرار حديقة قصر الحكومة، رواق العرض محمد راسم، مصحة مايو بباب الوادي، ثانوية عائشة وغيرها.

ومن خلال الكتاب السيرة، تحيل أحلام قراءها إلى بدايات أو إرهاصات روايتها الأشهر “ذاكرة الجسد”، وكيف ولدت تلك الرواية المدهشة، وكيف جمعت فيها كمية الألم والفخر، وكيف امتزجت فيها أقدار وأمزجة وتاريخ الجزائر، لتعطي لنا رواية تؤرخ لذاكرة الجزائر.

في هذا الكتاب يلتقي القراء ببن بلة وبومدين وجميلة بوحيرد، كما يلتقون بهنري مايو وهنري علاق وفرنان أفتون وفرانس فانون وغيرهم “من المناضلين وأصحاب المبادئ الذي ساهموا في صناعة قدر الجزائر قبل أن يختطفها الحركي وتجار الساعات الأخيرة للنضال”.

تمزج أحلام في هذا الكتاب، بين السرد والاعتراف، وتبوح بأولى علاقاتها زمن المراهقة وهي تكتشف وتتلمس العالم من حولها وتمنح القارئ بعضا من أسرار الشريف مستغانمي وهو يكتب رسائل الحب بفرنسية أنيقة، رسائل بوح ومنفي لم تسعه العربية ليقولها، لتصبح ابنته أحلام أمله في أن تنتقم له منها، ولاحقا ستكتب أحلام الشعر وسيقودها إلى الاختطاف من البيت من قبل “مخابرات الثورة”.

وأحلام التي اكتشفت زوربا اليوناني وأراغون ونخبة الكتاب الفرنسيين في مكتبة والدها، نكتشف لاحقا أنها استغلت كل ذلك المخزون من ذكريات والدها لتتكئ عليه في كتابة “ذاكرة الجسد”، فعندما أتمتها كان والدها قد رحل إلى العالم الآخر في تسعينات القرن الماضي والجزائر تدخل مرحلة أخرى من تاريخها.

تكشف مستغانمي من خلال كتابها هذا أن والدها تحايل على طبيبه الذي أراد استعمال جسر الكتاب لمعرفة أسباب انهياره، فكان يدون أراءه السياسية في كراس يخفيه ويدون مذكراته أو رسائله العاطفية في كراس آخر يتركه في متناول الطبيب، لأن “التعري أمام عدو الأمس فضيحة أو منقصة”، لم يرد مجاهد الأمس منحها لعدو الأمس.

خلف المجد الذي صنعته أحلام، تختفي حياة مليئة بالكفاح وإثبات الذات نكتشفها من خلال الكتاب، لدرجة يصير فيه شراء قطعة حلوى “ميل فوي” حدثا يستحق الاحتفاء، إذ تتحدث أحلام عن اللحظات التي كانت تتوقف فيها عند المخبزة لشراء حلوى “الميل فوي”، في زمن كانت فيه تناضل وتكافح وهي في بداية شبابها من أجل ضمان حياة كريمة لعائلتها بعد توقيف معاش والدها المجاهد، وعندما تحسنت وضعيتها وزادت إمكاناتها المادية ظلت قطعة “الميل فوي” في حيها ومدينتها أفضل من تلك التي يقدما أشهر محل في باريس.

تتكئ أحلام مثل العادة على لغتها وموهبتها في تطويع الكلمات واختيار العبارات في عبور أزمنة الجزائر وجزء من حياتها وحياة والدها المجاهد الشريف مستغانمي، وفي هذا الكتاب تنصف أحلام مستغانمي بكل عفويتها اللغوية وجمالياتها وحكمتها الأدبية والدها وتهديه بعد رحيله سيرتها أو سيرته، وكأنها تريد أن تقول له أنها صارت تستحق أن تكون ابنته، وأنه بإمكانه أخيرا أن يفتخر بها، وتعيدنا أحلام عبر كتابها الى الطفولة والعفوية والصدق، الذي يسمح لك أن تطل من شرفة العمر وأنت تتأمل خساراتك وتعدها بكل ابتسام لا لشيئ إلا انك نجحت اخيرا في مخالفة توقعات من كان يراهن على سقوطك، ولا بأس بعدها أن تكون وصلت بعد عمر من الخسارات والانكسارات والجروح

 

 

 

 

 

 

 غادة بوشحيط كاتبة، ومترجمة، وباحثة من الجزائر

 

أول سيرة لكاتبة جزائرية باللغة العربية... "أصبحت أنت" لأحلام مستغانمي

 

نادرات هن الكاتبات الجزائريات اللواتي خططن سيرهن الإبداعية في حياتهن، وفي الوقت الذي يمكننا أن نستدل على حياة كتاب رجال بكتابات شخصية مختصرة أو طويلة، وحتى من خلال ما سيكتبه رفقاءهم من الكتاب، يندر أن نفعل الأمر ذاته مع الكاتبات.

 

نحتار في سيرة كاتبة بحجم "آسيا جبار" التي شغل قلمها ومواقفها الأوساط الفكرية والسياسية داخل الجزائر وخارجها، هي التي عدت بعد صدور عملها الأول "العطش" النسخة الجزائرية من الأهالي، لأنها صدرت في خمسينيات القرن العشرين) فرانسواز ساغان.

 

لا تغالي مستغانمي في رصد محطات حياتها، بل تكتفي بأن تشبع جوع القراء للتفاصيل والصدف التي خلقت هذه المحطات، وأولها دراستها باللغة العربية منذ سن مبكرة، حظوة لم تنلها الكثيرات من بنات جيلها

تعوض الأساطير والحكايا معلومات دقيقة حول هذه الكاتبة أو تلك، في غياب مصادر قاطعة ومحاولات جادة لحفظ ذاكرة هذه المبدعة أو تلك. قد يجد الأمر تفسيراً له في ندرة الكاتبات الجزائريات اللاتي تواصلن الكتابة حتى سن متقدم، الأمر الذي يطرح بدوره الكثير من الأسئلة، إضافة إلى ارتباط الحميمي من سيرة هذه الكاتبة أو تلك بفضاءاتهن الخاصة التي قد يرفض المعنيون بها أن تصل الفضاء العام، ولطالما عاث الخاص من حياة المبدعات الجزائريات بمسيراتهن الإبداعية كحال الفنانة التشكيلية الكبيرة "باية محي الدين" التي اضطرت للتوقف عن الرسم بعد أن أجبرت على الزواج، رغم تبني الشهير "بيكاسو" لها، وتشجيعه لعملها، إذ يصعب على الجزائرية إعلان العصيان على القبيلة، في الوقت الذي لا يعتبر العصيان المعلن من طرف الرجال من الكتاب عصياناً حتى. بالإضافة لضعف الإعلام الثقافي والحركية الثقافية الجزائرية التي تحتفي بالأدب الجزائري في عمومه والمؤنث منه تحديداً.


 

في هذا الإطار يتوجب تناول سيرة الجزائرية أحلام مستغانمي (1953) التي أصدرت منذ أسابيع (أبريل/نيسان 2023) سيرة إبداعية عنونتها بـ"أصبحت أنت" عن "دار نوفل/هاشيت أنطوان"، وبهذا تكون قد خطت أول سيرة خاصة لكاتبة جزائرية تكتب باللغة العربية.

 

نذرت صاحبة "ذاكرة الجسد" في عملها الأخير بعد عشر سنوات من الصيام على تاريخها الأبكر، مقيمةً موازاة بين تاريخها الشخصي وتاريخ والدها محمد الشريف مستغانمي. هكذا سيعرف القراء أن الكاتبة ولدت بتونس في عزّ ثورة التحرير الجزائرية، لأب من كبار مناضلي ثورة التحرير، سيضطلع بمسؤوليات كبيرة غداة استقلال البلد، قبل أن يعتل حاله إثر صراع الإخوة الأعداء بعد أول انقلاب في تاريخ البلاد، ويدخل مصحة نفسية.

 

سيرة من؟

لن نعرف بعدها إن كنا بصدد قراءة سيرة "أحلام" أم سيرة "سي الشريف" أم سيرة الجزائر المستقلة. وعوض أن تسعى الكاتبة للقتل الرمزي للأب وما يمثله من سلطة، ستحكي سيرة الرجل الأكثر تأثيراً في حياتها، وكيف أنها انتبهت بعد ثلاثين عاماً من رحيله، وستين سنة من استقلال البلاد أنها استحالت سي الشريف بأحلامه آماله، انهياراته وإنجازاته، هي التي بدأت شاعرة مثله وانتهت بأن صارت تكتب له وعنه.

 

نذرت صاحبة "ذاكرة الجسد" في عملها الأخير بعد عشر سنوات من الصيام على تاريخها الأبكر مقيمة موازاة بين تاريخها الشخصي وتاريخ والدها محمد الشريف مستغانمي.

لا تغالي مستغانمي في رصد محطات حياتها، بل تكتفي بأن تشبع جوع القراء للتفاصيل والصدف التي خلقت هذه المحطات، وأولها دراستها باللغة العربية منذ سن مبكرة، حظوة لم تنلها الكثيرات من بنات جيلها، إذ حولت في مرحلة مبكرة من درستها إلى أول مدرسة بنات بالعاصمة الجزائرية تدرس باللغة العربية، نقلها إليها والدها الذي عجز كأبناء جيله عن إتقان هذه اللغة، وسيبقى طوال حياته رهين منفاه اللغوي الفرنسي.

 

ستقع مستغانمي سريعاً في حب الشعر، هي التي قرأت أهم شعراء فرنسا، وحفظت أشعارهم لحب والدها للشعر وإتقانه كتابته بالفرنسية، لكنها ستكتب قصائدها باللغة العربية؛ اختيار سيقودها وهي طالبة الصفوف الثانوية لتقديم برنامج إذاعي يومي على أمواج الإذاعة الجزائرية، وإصدار عدة دواوين شعرية. انشغال لم يرق لوالدها الذي ستكرِّر كثيراً أنه كان ينزعج لانشغالها عن الدراسة بالعمل، دون أن يعلم أنها تعمل لتعيل أسرتها بعد أن انقطع معاشه، هو الذي منع والدتها عن جعلها نسخة مصغرة عنها، حين كانت تصرّ عليها في مساعدتها بالأعمال المنزلية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الكاتب الجزائري  عبد الغني صدوق

سيرة "أصبحتُ أنتَ".. يتامى الحب وحراس الأوهام

 

 

عادةً ما أفتتح القراءة بعبارة من لدني أدبج بها المقال، ولكن عندما يتعلق الأمر بالإبداع في التركيب وتأديب الكلمات على أخذ أماكنها كما ترى، وقد درسنا الجملة الفعلية والاسمية، أكاد أجزم أن هناك جملة لم ندرسها بعد تسمّى الجملة السحرية!

 

أقف متأملًا حدس أحلام مستغانمي، من يهمس لها بالكلمات؟ ومن أي النوافذ تلوّح لها بنات الأفكار؟ لا يسعني المقام مع كبرياء هذا النص لأتحدث عنها كمنتجة أدب يفيض به بحر الرواية الحديثة، لأن كلماتي شحيحة، إي نعم.. إنني مقصّر إن قلت الروائية الفلانية المولودة في البلاد كذا والمؤلفة للنصوص كذا، الحاصلة على الشهادة كذا أو الجائزة كذا... لذلك سأقول أحلام وكفى.

 

تشير أحلام مستغانمي في سيرتها الروائية "أصبحتُ أنتَ" إلى أن أبطال رواياتها نسخًا من أبيها الشريف

 

وسأكون في منتهى الصراحة قبل التنزه في حدائق هذه السيرة "أصبحتُ أنتَ"، لقد قرأتها وجلست يومًا كاملًا أستجمع قواي لأكتب ما يجب كتابته، لكن جلوسي لم يفدني في شيء، إذ ظل صخب الأحداث بأوجاعها وانشراحها يطرق بصلة رأسي كل حين، فما وجدت غير القيام للكتابة فكاكًا. عمن أكتب؟ عن سيدة جزائرية أمينة أخرجت الأدب العربي إلى العالم في أبهى حلة؟ كلا، لا أستطيع، كيف لي أن أعزل النص عن صاحبته – رولان بارت – ونحن أمام سيرة روائية، أجل، سيرة روائية.. لقد تخلصت أحلام من الذاتية حتى في كتابة السيرة.

 

في عصر الرواية يجتهد الكتّاب لتنميق أساليبهم لعلهم يحظون بقراء يرافقون نصوصهم نحو النجاح، لكن قلما تتأتى ميزة الشاعرية في نص منثور. فالشاعرية هبة مودعة، تصقلها التجارب، ويقدمها لجمهور القراء كائنان أحدهما الصدق والثاني الإخلاص.

 

المُلاحظ لنتاجات أحلام، يرى أن الأغلفة لا تنزع ثياب البياض، لون الصفاء، لون العطاء، لون الحرية والمحبة، ولون الفناء أيضًا، وكأنها في طواف أو صلاة سرمدية مطهّرة لكل ما انكتب.

 

غاب الشريف مستغانمي عن عالم الأحياء، لكنه لم يغب عن عالم أحلام، إنه الوقود الذي تحرك به مراكب الأدب، الشرارة التي سمحت لها بالكينونة يوم إلقاء قصيدتها أمام جمهور يتنكّر لإبداع الإناث.

 

أصبحتُ أنتَ.

 

لنتفق على أنّ "أصبح" من أخوات كان، وهي فعل ماض ناقص من النواسخ، بمعنى هلك وفني وصار، أي أن أحلام فُنيت في أبيها إعجابًا ومحبةً بالمختصر المفيد. ثم يأتي الإفصاح حينما نقرأ: "أصبحتُ أنتَ. أعدتُ اقتراف كل حماقاتك، خسرتُ بسخاء، وبسخاء تهكمت على خساراتي. أكرمتُ أعدائي لأن لا قصاص أكبر من الكرم...".

 

إن الكتابة إرهاق وعناء، بل صُنفت في خانة المشاق، لذلك كانوا يعذبوننا حينما لا نفتح الواجبات في المدرسة بكتابتها في البيوت عشرات المرات. بربّك دُلّني على الفرق بين العامل في منجم الذهب المهموم بصياغة التِّبر، والمشتغل على توليد فكرة ذات قيمة صالحة للقراءة والنقاش أبد الدهر؟

 

فالنصوص الماجدة لم تكن كذلك إلا لما نقصت من أجسام مبدعيها كيلوغرامات وزادت في أعمارهم سنوات، إذ يستحيل أن يتنعّم في حيز الراحة من اختار الكتابة ضميرًا حيًا والإبداع صناعة حسنة، ولكن نفثة من أنفاسه المسطّرة تجعل القراءة سعادة وعبادة.

 

إن الخالدين يحملون هم الأمة، في الوقت الذي يحمل فيه التافهون هم الشهرة.

 

تشير أحلام إلى أن أبطال رواياتها نسخًا من أبيها الشريف، انشطروا على أدوار مختلفة ليقدموا المعرفة بالتاريخ والهوية الجزائرية حينًا، ويدافعوا عن القضايا العربية الشائكة حينًا آخر. فكل بطل أخذَ من الشريف خاصية سهّلت له العيش في النص ساردًا أو مسرودًا عنه. وهنا تتجلى قوة بعث الشخوص في الرواية، فهي وإن خُلِقت من عدم، فإن هناك صلات مع أشخاص يجعل منهم كلّ كاتب أبطالًا لرواياته مع احتراف الاختفاء عن سلطة الرقيب والحسيب.

 

وفي هذه السيرة المؤثثة بدقة، تُستخرج الأحداث من المادة الخام كعناصر لا يمكن أن يستغني عنها أي نص روائي، تلك المتمثلة في شخصيات حميميّة أصبحت شخوص أحلام في سُرودها، لأنها عالقة في الذاكرة البيضاء، ذاكرة الصبي.

 

كيف ننسى من احتوانا أثناء الضوائق؟ إلا أن نكافئه – ككتّاب – بوظيفة دائمة في مؤسسة القراءة ليُطبّب ما استطاع من العِلل. تستدعي أحلام لسيرتها خالها الذي تناديه حسب الأصول "سيدي عز الدين"، وقد أعجبني ما أفرحها به آنذاك، برغم أن الحدثين أحدهما محكي والأخر مروي: "رضيعة أهداني خالي خلخالي الذهبي الأول بما جمع من مال، ثم أهداني دراجة للأطفال".

 

ويبدو جليًا أن أحلام تريثت مطولًا حتى كتبت هذه السيرة، فهي تضعُ أعلى كل فصل عبارة لكاتب عظيم كرافعة لثقل الفكرة المُقبِلة عليها من قاع النقد، ثم تشرع في السرد تاركة المتلقي في انفساح فكري لقطف ما راق له من المعاني، ولنا في قصة الببغاء خير مثال، وما أروعها من قصة، إنها قصة الكرامة، قصة الحرية.

 

إن الأنفة والشهامة والشجاعة والعزة والأصالة طبائع ليست مكتسبة، وإنما هي جينات تسري في العروق وتتوارث في السلالة، ولا ينبغي توظيف الدين كرافد لبعضها أو كلها أو مجهرًا لتقصّيها، فلعلّك تجد رائد حانة رحيم وتجد رائد مسجد لئيم، مع أن الصلاة فرض عين وشارب الخمر أثيم. لذا بإمكانك أن ترى الرحمة والإثم في حياة إنسان، وترى أيضًا النفاق وقلنسوة الإسلام في حياة إنسان آخر، فسيف الله المسلول من على رقاب المسلمين إلى رقاب الكافرين، لم تضمحل من نفس فارسه درجة البسالة بين فعل كان وأصبح.

 

الغلاف

كان على الشريف مستغانمي أن يثبت لصاحب المكتبة أنه لا يهادن، عندما يُلذع باللسان الذي يدفعه التذمر من الزبون إلى رمي جملة تجعل دم الشّهام في فوران لا يبرد إلا بردّ الصاع صاعين. قال له وهو يتصفّح الكتب: "هل تنوي شراء الكتب أو أنت هنا لتضيع وقتي فقط؟" فما كان منه إلاّ أن أمَره بجرد كتبه كلها بينما يعود للبيت وإحضار دفتر شيكاته. تتوقف الشاحنة أسفل البناية وتحمل المكتبة كلها في صناديق، لم تفهم أحلام ما يجري إلى أن ولج أبوها غرفتها وهو يقول بالفرنسية:

 

حبيبتي تعالي انظري، لقد اشتريت لك مكتبة.

وابُشراه من نور المبين الذي زيّن فقرات أحلام، لقد اكتسبت كتاباتها ذلك التحبير البالغ الغاية، وهنا يكمن سرّ الإقبال على نصوصها المنضوية تحت راية السهل الممتنع أسلوبًا، المسترسلة لصوت ابن مدينتها مالك حداد فكرًا، فمن قوله تعالى: "وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا".

 

كان لها استنباط منبعث من الذاكرة الواعية بالآية إذ تقول في السيرة: "عند أول ضربة بعصاك السحرية، استبدلت لي بستة وعشرين حرفًا لاتينيًا، ثمانية وعشرين حصانًا عربيًا، لا لتُكسبني حرفين إضافيين، ولكن لأتعلم باكرًا الصّهيل بأبجديةٍ عربية".

 

تُقرّ السيدة أحلام، المخاطبة لأبيها في هذه السيرة، أن الذكريات راسخة في الوجدان، وأن فعل الكتابة جنون، إذ يصعب نسيان أية ذكرى واضحة الصورة  بكرور الأيام، فمهما تغيرت الأماكن وتبدّلت أنماط العيش، فإن الماضي عالق بالذاكرة. ولذلك ترى الممحاة كتابة أيضًا، فالمبدع يكتب عمّا يحاول التخلص منه كلوعة أو يحلم القبض عليه كبهجة، يزعم دفع المشيئة. وجدتها تقول بهذا الصدد: "الكتابة وهم الأمنيات المستحيلة المحقَّقة على ورق".

 

إن زخارف الحياة تخطف أبصار أولئك الذين بينهم وبين النهاية طول الأمل، فهم حريصون على الكسب دون العطاء، يظنّ الواحد في المكاسب متاع وهناء ما بعده شقاء، تلك النظرة المادية صحيحة إلى حد ما لأنها تجعل الإنسان في عزة وقوة، لكن الأصح هو كون هذه الأشياء وسائلَ لترويج المحبة بالكيفية التي حثّت عليها رسالة السماء.

 

سنكتشف بعد فوات الأوان أن عطاءً ما كان بمقدورنا أن نبادر إليه في ساعته، حال بيننا وبين سعادة حقيقية منعتنا منها النرجسية اللعينة.

 

ومن "أصبحتُ أنتَ" نشم عبق السيرة: "كانت أمي ترى ما يشبع عينيها، وأنت ترى ببصيرتك ما يشبع روحك، مدركًا أنك لا تبلغ الكمال الإنساني إلا باستغنائك عن الكماليات، وكل الخلافات بينكما ستأتي من هنا".

 

والكرماء لا يبخلون بمدّ الحروف هدايا خالدة الأثر حتى وهم يكتبون سيرهم، لأنهم يشعرون بثقل أولئك اللذين ماتوا وكانت لهم الكلمة الحرة في حياتهم، فتراهم يدْعونهم إلى مآدبهم الأدبية بين الحين والحين، لا لتسويد الصفحات، وإنما لتنبيه الغافلين إلى أن هناك أدبًا راقيًا لم يأخذ حقه من النقد وأصبح بهبّة التفاهة في فلاة الفقد.

 

تقول أحلام مستغانمي في ختام سيرتها الروائية: "نحن يتامى الحب وحراس الأوهام"

 

تضرب لنا أحلام مثَلين بحقيبتين، إحداهما لكاتب ياسين غداة الاستقلال، المسرحية الأكثر جدلًا "محمد خذ حقيبتك" وكأن السيرة انكتبت لتُقرأ في ظروف فرنسا اليوم بالذات، إذ تحثّ المهاجرين الجزائريين على المغادرة،؛ والأخرى للمطربة البرتغالية ليندا دوسوزا "حقيبة الكرتون" التي قذفتْ بها إلى عالم الأضواء والثراء، وعلى المتلقي أنْ يستمتع وحده بمآل الأديب والمُطربة.

 

لقد غادر الشريف مستغانمي دار الباطل مع ميلاد "ذاكرة الجسد"، وكان لزامًا أنْ يغادر كي لا يواصل الحياة داخل الكتاب وخارجه، كما تناولت ذلك السيرة التي تصرّح فيها أحلام أنها لا تعني أحدًا سواه، ولن توقعها في معارض الكتاب، ولن يسألها صحفي عن قصدها من كل جملة.

 

سيرة اختُتمت بعبارة عميقة المعنى: "نحن يتامى الحب وحراس الأوهام". وقبلها، هناك تسع رسائل تطفح حميميّة، وكأنها جنين عاقل أبى الولادة حتى علم أن المُحبّين في شوق لرؤيته، فوُضِعتْ "أصبحتُ أنتَ" خلاصًا للانتظار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 عبد المنعم بن السايح  كاتب جزائري 

 

كُنت دَائمًا أطالِب أَحلام مستغانمي بكتابة سيرَتها خوفًا من التشويه الذي ستتعرض إليه بعد رحيلها_بعد عمر طويل_ . كونها أيضًا محاطَة #بالأعدقاء الَّذِين سيغمسون ريشتهم فِي محبرة حقدهم الأسود ليكتبوا سيرة التشويه والْغِيبَة الكاذبة

فقد قرأت العديد مِنَ المَقَالات والنُّصُوص المسيئة عن تَارِيخهَا وأدبها، والغرِيب في تِلْكَ النُّصوص أنها كُتِبَت بقَلم أُولَئِكَ الَّذين يَدعُونَ صداقتها وَقَرَابَتهَا؛ أذكر  آخر كِتَاب قَرَأْته صَيف عام ٢٠٢٢م لكاتبة بحرينية اتَّهَمَت الكاتبة مستغانمي فِي نَصٍّ تَافِه بِأَنَّهَا كاتبة تُثِير الأَضْوَاء ووصفتها بالفاشينيستا الَّتِي تَسْعَى لِلشُّهْرَة. والمحزن فِي ذَلِكَ الكِتَاب الْمُسِيء أنَّه كان مِنْ تَقديم كَاتِب جَزائري مَعْرُوف يعرف تَارِيخ أَحلَام الْمُشْرِف، ولكنَّهُ كَانَ كالمعول الَّذِي يُهْشم تَارِيخُهَا ويزعزع قَاعِدَة أَدَبَهَا

برغم كلّ هَذَا الْأَذَى، قَاعِدَة أَحلَام لن تَزلزل بِتَوَافِه الأُمُور. فأحلام لا تَحْرس إمبراطوريتها مِثْل الكثير مِنْ الْكُتَاب، لِأَنَّهَا على ثِقَةٍ بِأَنَّ هُنَاكَ من سينصفها ويُدَافِع عَنْهَا في حَيَاتِهَا أو حتَّى بعد رَحِيلِهَا إلى الهناك؛ حيث النُّور

لقد طَالَبَت أحلام بالسيرة، ولَكِن أهدتني سيرة أكبر مِمَّا كُنْت أتوقعها؛ سَيرة وَالِدَهَا الَّذي يَحمل فِي أَسْرَاره حِقْبَةً تَارِيخِيَّة مُهِمَّة، عَاشَهَا بِكُلِّ مَا تَحملهُ من انتصارات وفواجع.. وَالِدَهَا الَّذي يُشكِل الوَطَن وَنَزفه

لَن أَتَحَدّث عن الرِّواية وجماليتها، فَقَد أعادتني لِمَجْد رِوَايَة ذَاكِرَة الْجَسَد. كَمَا أعادتني لجرأتها فِي كِتَاب قُلُوبِهِم مَعَنَا وقنابلهم عَلَيْنَا.. رِوَايَة ثقيلة، دسمة، متشبعة بِالْأَحْدَاث التَّارِيخِيَّة وبالأسى وبذاكرة لَا تنسَى؛ ذاكرة الجيل المؤسس.

شَعَرْت في هَذَا النَّص بِأَن أَحلام تَبْكِي على كُلِّ شَيْءٍ؛ بُكَاء بِكِبْرِياء يَلِيق بتاريخها.

حقيقةً، لا أَعْلَم لمَاذَا كُلَّمَا تَأَمَّلْت فِي عين أحلام- الَّتِي دَائِمًا مَا تخفيها بنظارة سَوْدَاء تَحْمِلُ فِي رمزيتها الحداد- بِأَنَّهَا لَا يُوجَدُ فيها دُمُوع تَلْمَّع.  لا أَعْلَمُ إن كَانَتْ مُصَابة بجفاف الْأَعْيُن أَم أَنَّهَا بَكَت كَثِيرًا لِدَرَجَة الْجَفَاف!.. أو رُبَّمَا لِفَرْط فواجع العروبة التي مرت في تاريخها أَصْبَح الْبُكَاء بالنسبة لها  شُبْهَة الضعفاء

 

تَقُول أحلام

" لا أحبّ أن يعزّيني أحد في من أحبّ. يسمون العزاء "واجب". كيف أجد في واجبهم عزائي؟ الذين توقَّعوا انهياري أمام جثمانك لم يفوزوا بدمعةٍ منّي. " 

***

لَقَد كتبت أحلام سِيرَتهَا أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا، ولكن ما زِلْتُ أُطَالِب بِشَيءٍ آخَر وهو كِتَاب لحوار مُطَوَّل مَع صَحَفِي ذكي يَسْتَفِزّهَا للبوح بالتفاصيل الْبَسِيطَة.. حوار يُضَاهِي الحوار الذي أجراه الكاتب كريستيان دي بارتيان مع الكاتب هنري ميللر، ونُشر الحوار الخالد في كتاب  تحت عنوان "اعترافات فِي الثمانين".

 

وأقْتَرح هنا "مصطفى الآغا" ليحاورها..  أشعر أَنه الوحيد القادر على أداء هذه المهمة الصَّعْبة؛ مُهِمَّة الاستفزاز من أجل جعل الْآخَر يَبُوح بِأَشْيَاء أَكبر ممَا كُنَّا نتوقعها

 


 

 

 

 

 

 

 

 الكاتب الجزائري  اليامين بن تومي

 

 " السِّيرة والرُّجلَة وفنّ المطابقة" 

 

الكتابة والرُّجلة هما الوصف العام للسيرة الذاتية التي كتبتها مؤخرا الروائية أحلام مستغانمي، الرُّجلة كلمة جزائرية بامتياز، لا يمكن لمن لم يعش في الجزائر أن يحيط بها علما، إنها مصطلح ثقافي يحمل في داخله أشكال المقاومة ضد الاسترجال، فالفرق بين الاسترجال والرجلة واضح وبيّن، الأولى (الاسترجال) حالة تغيير للخلق حين يصبح الجسد موضوعا للتحويل، أما الثانية (الرُّجلة) حالة صناعة تاريخ من البطولة حين تصبح الأنثى موضوعا لفعل نبيل تام وخارق، بلغة أرسطو حين يفرق بين المأساة والملهاة، أن تكون رجلة بلغة جزائرية معناه تكون فحلا/بطلا بمقاييس القصص الشعبية عن الأبطال الخارقين.

هنا فقط نستطيع أن نُوضِّح حالة الكتابة في نص «أصبحت أنت» كيف تحاول البنت أن تكون رجلة كأبيها، وتصنع بطولتها التي تريد، باستنساخ تجربة أبيها، بإنتاج بطولة خاصة بها، بطولة شعرية وأدبية تفتح من خلالها كل الملفات الصعبة والبشعة، لوطن صنع رجالا كبارا، أو رجالا صنعوا وطنا سرعان، ما تنكَّر لهم ليستفيقوا على حفلة تنكرية تتبدى فيها الأقنعة كأن يصبح القواد والحركي بطلا، ويصبح البطل مجنونا. تلك الأقنعة الساترة جعلت المتكلمين في ذلك التاريخ مجرد «ماريونات» تتحرك لتعيد الأدوار التاريخية الكبرى نفسها، لذلك تستعيد السيرة رُجلتها عبر حب البنت لوالدها، لتُعدِّل وضعية التاريخ وتخرج من حالة المريض في السبيطار (المستشفى) إلى حالة التطهير الأدبي.

فالجنون في النهاية مجرد مشروع لم يكتمل بعد كما السيرة نفسها لم تكتمل، تحكي تلك الازدواجية والضبابية في تاريخ السيرة بين «هو وهي» تحركت حالة الانشطار الرهيبة والمكلفة. فهل يمكن أن تتحقق المطابقة بين سيرتين وأفقين وزمنين؟ بهذا توحي لنا سيرة «أصبحت أنت» أي أنّها تمضى في شكل سيرة على سيرة، أو سيرة من وجهة نظر سيرة، ذلك أنّ السيرة الكبرى للأب تعد بمثابة الرصيد، أو لنقل بمثابة الأرشيف للسيرة الصغرى للبنت.

هنا يختلط علينا النموذج الكلي بمفهوم السيرة التي تتعقد علاقتها لا في اتجاه ما يحدث، وإنما في اتجاه ما حدث للوالد، أي أن الساردة تربط عقدها التوثيقي مع سيرة الأب الذي رسم ملامح سيرة ابنته، من خلال الميثاق التعاقدي الذي يربط البنت بأبيها فتحكي عنه لتصل إليها، أو لنقول إنه لا سيرة لها إلا داخل سيرة أبيها، هذا النوع من الحكي يُخلِّص البنت من نرجسيتها وأنانيتها لصالح الانبهار الكبير بسيرة أخرى إلى درجات ذوبان البنت في تاريخ والدها، حتى يخيَّل إلى القارئ أنها ليست سيرة بمعنى الكلمة بقدر ما هي نوع من كتابة الضيافة، وذلك لانمحاء الذات لصالح ذات أخرى عليا متخمة بالنضال والحروب والمعارك والجنون.

وهنا تكون السيرة في مواجهة التاريخ، لما تحمله من معان خطيرة وغير دقيقة، ذلك أنّ السير ليلا يكون في العادة تحت تأثير قوى خارجة عن الذات كمن تلبسه الشيطان بالمس، هي كتابة اللايقين واللاحقيقة، الكتابة عن الأهواء والعواطف والمشاعر الدفينة التي اضطهدها التاريخ، وفق منطق الذكورة الصلب، هنا نكون إزاء شكلين من السيرة:

– السيرة الأبوية الغارقة في الكفاح والجنون.

– السيرة الطفولية الغارقة في الحلم والشعرية.

يمثل الشكل الأوّل الجانب الصلب من كتابة تاريخ رجل شارك بعنف في بناء الاستقلال، وانخرط بجنون في بناء الدولة الوطنية. ويمثل الشكل الثاني الجانب الجمالي السائل من التاريخ، لذلك تتكلم كل أطياف النعومة والسيولة بالعطر والورد والحب.

السيرة التي بين أيدينا تحتوي على 302 صفحة من القطع المتوسط، صدرت عن دار هاشيت أنطوان سنة 2023، تبدأ بإهداء غريب عكس السيرة التي تحمل فيها ذاكرة الأب، فالإهداء هنا هو للأم ويحمل اعتذارا على ما يمكن أن يحمله من أشياء تعتبرها الأم وخزًا بسيطا في حياتها لامرأة أحبّت رجلا ربما مال قلبه إلى غيرها.

في مراوغة غريبة، أن الإهداء الذي جاء متأخرا باعتراف يؤرق شكل الخطاب، إلا أنه اعتراف من جهة البنت التي تحمل أسرار أبيها، أو إهداء بالوكالة عن الأب: «اعتبريه هدية متأخرة من أبي فلا تواصلي معاتبته هناك.. رغم كل شيء لقد أحبك». تحيلنا الإحالة المضاعفة للمطابقة في «أصبحت أنت» على مشروع تفكيكي للأنا، في حالة التلاشي والاضمحلال في تاريخ الأب، لكنه تاريخ مشوب بالحذر والجنون والعبقرية، كل أمراض المثقفين الذين يقتلهم النسيان لتعيد الكتابة في حالة المطابقة مع ضمير الإحالة «هي» التي أصبحت «هو» لذلك لا تتحرك متعة السير إلا في عالم «هو» حيث «هي» مجرد ظل أو بلغة تفكيكية شديدة الصلابة هي مجرد تابع أو طبقة في تاريخ الفحولة، حيث أورثها هواياته ونضالاته التي توسعت دائرتها إلى حد الجنون، فالسير في جنح الظلام أو الدلج يجني على الساردة لتصبح مجرد همس غير معين أو غير محدد إلا من خلال المرافقة الحكواتية له «هو» ما تزال الهيمنة الذكورية تشتغل في نص «أصبحت أنت» حتى تصل الساردة إلى لحظة فاصلة من تشكل وعيها على العالم ليتأسس الحكي في شكلين مختلفين لكنهما مهمان:

– حالة الجنون التي تجسد سيرة الوالد.

– حالة العقل التي تجسد رواية البنت.

هذا التفكيك هو وحده الذي يفصل الرابط بين السيرة والرواية، تتجسد السيرة في الحكاية عن الأب ويتشكل ملفوظ الرواية في الحكاية عن رغبة البنت، وهنا تشكل فارقا علميا بين شكل السيرة وشكل الرواية وما يربط بين الشكلين من ميثاق تعاقدي يردم الهوة بين السيرة والرواية، ولعل مقام هذا المعارضة لا يسمح لنا هنا أن نوسع في دقائق الفرق بين فن السيرة وفن الرواية. تتحدد المطابقة مع الفقد، وحينما يمحى الجسد يصبح مجرد شبح تتوضح الحدود وتتسرب ملامح المعشوق إلى الذات العاشقة، فالمطابقة تتجاوز الشعور المباشر إلى حالة عدم التمييز لتصبح الذات مجرد رأي في المرآة، حالة الانعكاس على سطح المرآة لا تجعل الذات الشبيهة بين صورتين، بل هي صورة واحدة تذوب معها التفاصيل، تلك العلاقة بين السارد والمسرود تتداخل إلى الحدّ الذي تنعدم فيها الكينونة في تاريخ الصورة، أو المتخيّل الذي يتخذ دور البطل، أو لنقل الصورة التي تتعالى لتصبح مجرد بنية مستقلة عن الزمان والمكان، بل يصبح الزمان والمكان فائضين عن الحاجة إذا ما تعلق بالحكاية كلها.

 

الصورة التي تنمّحي لتصبح أكبر من الشكل العارض الذي يمثله الأب، قد تصبح وطنا لتعيد تلك الحاجة/ الزاوية تشكيل الذات/ البنت/ الأب/ الوطن

«لعلك كنت وطني إذن فقد كبرت الخسارات بعدك».

تتوسع المطابقة في جهات كثيرة من استحضار كل ما كان يملكه الأب ويدافع عنه ليصبح بشكل ما، ما تملكه البنت وتدافع عنه، تلك المطابقة الصورولوجية اضمحلت لصالح مشروع لغوي يتلاعب بحدود الأبوية، ليعيد إنتاج الحكي عن البنت، لتخلق لنا نوعا من السيرة المسترجلة حين تفجر كل قنابل التاريخ التي شارك فيها الأب. «كل ما اقترفت من جرائم حبٍ يمكن أن يسجلّ ضدك، في كل محضر ضبط عاطفي، لم أكن أنا، بل أنت، العاشق المتهم، في كل القضايا الكبرى الخاسرة التي بكيتها، كنت أبكي بعينيك أنت، في كل مرة واجهت فيها لصوص الوطن كنت نيابة عنك، ارفع الصوت وأدفع الثمن في جنوني وبعقلي، كنت تماما كما أردتني أن أكون نسخة عنك». تتضخم سيرة الوالد من خلال تقنية الاسترجاع بين:

– جنون المرض

– مرض التاريخ

حيث يصبح التاريخ هو المرض الأكثر فتكا، الذي يشوه سيرة الأنثى أحلام ويجعلها تحتمي بقناعٍ من جنس الجنون يتحول بفعل ذلك إلى شاعرة، وهو التطابق الكلي بين:

– رجل التاريخ المصاب بالذهان

– أنثى الحال المصابة بعشق التاريخ

يقيم رجل التاريخ (المريض) في النضال ويتنصل من الراهن، وتقيم الأنثى بشعرية لتُشكل تنصلا مضاعفا عن الراهن، تعمل الأنثى على تعرية الحاضر وفضحه وكشف ألاعيبه وكيف أصبح يشكل خطرا على التاريخ.

إما لأنّه ليس في مستوى التاريخ (النضال) لأن السيرة أكثر فلسفة من التاريخ نفسه، وبالتالي حصول الصدمة بين بطولات الماضي، وانهيارات الراهن، حين يصبح أبطال الأمس مجرد باحثين عن الثروة، ويبدأ الجشع والرأسمال، وهنا وبعبقرية شديدة تلعب السيرة على تفتيته.

كلما كان الحكي عن البطولة كانت السيرة، وكلما كان الحكي عن الأنثى كانت الشعرية، لأنه لا سبيل لمواجهة الراهن إلا بتأثيث الخراب الذي يسكنه. هذا النص الجسور والعنيد يفكك عبر لغة شعرية مذهلة كل ألاعيب التاريخ ليصدم بحاضر محنط برواية خاطئة، لتعيد تلك اللغة الشعرية ترتيب حالة خراب الراهن من أجل بلوغ التطهير المطلوب من كل الجنون التاريخي الذي أصبح مرضا عاما

 

 

 

 

 

 

 

 

الاستاذ محمد بوعزارة الاعلامي والنائب السابق بالبرلمان الجزائري وكاتب   

____________



 أَصبحتُ أنتَ: سيرة روائية مشفرة بحب الماضي وأحلام المستقبل

 

عندما رحتُ أقرأ سيرة الروائية الجزائرية الصديقة أحلام مستغانمي (أصبحت ُ أنت) الصادرة هذا العام استعدت كثيرا من الصور عن طفولتنا المشتركة.

فكلانا انظم إلى الإذاعة مبكرا، و كلانا كان يدرس بالعاصمة الجزائرية عقب استعادة الاستقلال.

كانت أحلام تدرس بثانوية عائشة أم المؤمنين، وهي الثانوية المعربة الوحيدة للبنات في تلك السنوات المبكرة من عمر استعادة الجزائر لاستقلالها، و كنتُ أدرس بثانوية ابن خلدون التي كانت هي الثانوية المعربة الوحيدة في تلك الفترة بمدينة الجزائر.

ومع الموسم الدراسي 1970 ــ 1971 الذي كنا نجتاز فيه شهادة الباكالوريا صرنا مجموعة من الأصدقاء و الصديقات نلتقي تارة في المكتبة الوطنية أو في بيت أحلام لمراجعة دروسنا.

كانت مجموعتنا تظم إلى جانب أحلام وكاتب هذا المقال كلا من الراحل الشابي بن وارث رحمه الله الذي أصبح لاحقا من أشهر المحامين في الجزائر حيث تولى الدفاع عن الضابط بومعرافي القاتل المفترض للرئيس الراحل محمد بوضياف، والشريف فاضل رحمه الله وهو نجل الشيخ عبد المجيد الشريف الأمين العام الأسبق لوزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية في الجزائر تلك الفترة، ثم  كان نائب رئيس مسجد باريس رحمه الله.

كان والد أحلام مستغانمي عمي الشريف رحمه الله كما كنا نناديه يأتي إلينا أحيانا و يجلس معنا للاطمئنان علينا أو ليتحدث إلينا باقتضاب، و قبل أن يتركنا يرمقنا بنظرة متفحصة فيها الكثير من المعاني، وكأنه يحذرنا ويوصينا في نفس الوقت بأن نجدته في دروسنا لكي ننجح وكي لا نخيب آمال أوليائنا.

وكانت والدتها الطيبة تقدم لنا القهوة و ألذ الحلويات التي تكون قد تفننت في صناعتها خلال وجودها رفقة زوجها بتونس حيث كان المرحوم أحد العناصر الفاعلة في جمع التبرعات للثورة الجزائرية، و كانت شقيقتها صوفيا الطالبة بمعهد الفنون الجميلة و المتخصصة في الرسم و ذات الخان الجميل الذي يُّرصِّع خدها تتسلل إلى الغرفة التي كنا نطالع فيها، ثم لا تلبث أن تتركنا و شأننا، أما مراد فقليلا ما كان يطل علينا ثم يختفي في لمح البصر .

وإذا كان المثل يقول: (كل بنت بأبيها معجبة) ، فقد خصصت أحلام الجزء الأكبر من سيرتها الروائية للحديث بانبهار عن والدها وعن الفراغ الذي تركه في حياتها وعن الحزن الذي ظلت تخفيه بعد رحيله طيلة ثلاثين عاما خلت في وجدانها و مشاعرها الشاعرية.

ومما كتبته:

كنت ُأقول عندما نفقد حبيبا نكتب قصيدة، و عندما نفقد وطنا نكتب رواية، و لكن يوم وفاتك خانني الحبر .

ثم تضيف بأنها أخفقت دوما في رثاء من أحبت ، ثم تبدي تعجبها من الذين يسارعون في الرثاء ، و ربما كنتُ أحد هؤلاء .

فقد كتبتُ عن والدتي في الأيام الأولى لوفاتها لأن موتها في أول نوفمبر 2014 ، و هو عيد الثورة الجزائرية فجَّر مشاعري، فلم أستطع أن أخفي حزني على فراق الوالدة ، و لذلك نشرتُ مقالا مطولا عن وفاتها و ضمنته لاحقا في كتابي :

اغتيال أوطان .. أغتيال عقول..

 الصادر في العام الموالي لوفاتها 2015

و كان مما كتبته :

لا أكتب عنك فقط لكونك أمي ، و الأمومة هي أعظم هِبة خصَّ بها الله النساء كما قالت ماري هوبكنز .

لا أكتب عنك لحنانك المميز و قد كنتِ مثل الوسادة التي أستند إليها كلما آويت إلى فراشي ، و أنتِ لا وجود في العالم كله لوسادة أنعمَ من حضنك يا أمي كما عبر عن ذلك الكاتب الإنجليزي الشهير شيكسبير .

كأنني بأحلام التي كتبت في السابق  من خلال ثلاثيتها عن المراحل التي تلت ما يعرف بمجازر الشمال القسنطيني ضد الشعب الجزائري عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية في ماي 1945 و التي خلفت آنذاك حسب بعض المصادر ما يقرب من تسعين ألف ضحية و ليس خمسة و أربعين ألف كما تصر على ذلك بعض المصادر .

ذلك أن تلك الأحداث الرهيبة شهدت كذلك سجن آلاف الجزائريين و من بينهم والد أحلام الذي وجد نفسه بعد إطلاق سراحه لاجئا في تونس .

في هذا الكتاب تحكي أحلام عن الجزائر عبر أبيها و علاقته ببعض رفاقه ، و عن عودة اللاجئين الجزائريين و قد كانت عائلتها منهم ، و كيف كانت الأحلام تراود الجميع بالفجر الجديد ، و إذا بتلك الأحلام تصطدم بصيف ساخن بين رفاق الأمس بعد أن افترقوا في مؤتمر طرابلس جوان 1962 دون أن يتفقوا ، حيث سالت الدماء في ذلك الصيف الساخن الذي وصفه البعض بصيف الفتنة ، ووصفه آخرون بالصيف الدموي،  حيث وقف الشعب الجزائري بصدور عارية صارخا لوقف الاقتتال بين رفقاء الأمس :

سبع سنين بركات ..أي يكفينا مما خلفته حرب فرنسا ضدنا طيلة أزيد من سبع سنوات دموية .

 كتبت أحلام عن قصة التحاقها و هي ما تزال بعد طالبة في التعليم الثانوي بالإذاعة .

 كان العمل في الإذاعة في تلك المرحلة من عمر الاستقلال بالنسبة لفتاة في مقتبل العمر تكبله بعض العادات و التقاليد.

 كان ذلك يشكل لدى البعض عيبا و نقيصة ، بل إنه كان بالنسبة لفتاة تبلغ من عمرها السابعة عشرة و تتأهب لامتحان الباكالوريا عائقا يحول دون نجاحها في تلك الشهادة المصيرية .

و قد ذكرتني قصة أحلام مع الإذاعة بقصة مشابهة حدثت لي مع والدي رحمه الله، ذلك أنني عندما أخذت شقيقي عبد القادر الأستاذ المتخصص في الموسيقى و المدير العام للمعهد الوطني العالي للموسيقى بالجزائر لدراسة الموسيقى ــ  و لم يكن أبي يعلم بذلك ــ سألني رحمه الله عن المؤسسة التعليمية التي أدخلته فيها،  فقلت له سيدرس الموسيقى .

فإذا به يقول لي:  يا امحمد يا ابني ألم تجد من تخصص آخر يدرسه شقيقك غير دراسة السنيترا ، و السنيترا هي آلة القيثارة الموسيقية guitar .

حاولت أحلام إقناع الأب الحريص على نجاحها ، و عندما سألها إن كان البرنامج أسبوعيا أجابته بأنه يومي من نصف ساعة ، عندها صعق الوالد ، و راح يمانع .

لكنها أقنعته بأنها ستسجل كل حلقات الأسبوع دفعة واحدة خلال أيام العطل ، و إذا كان الأب  قد اقتنع بحجة ابنته المدللة عنده ، فإنه لا مديرة الثانوية و لا الوالدة اقتنعت بالأمر مما اضطر الطالبة أحلام  إلى الاستنجاد بالخال .

لقد بينت (همسات) أحلام الليلية عبر برنامجها الإذاعي اليومي في صغرها عن موهبة أدبية و شعرية قادمة اكتشفها الشاعر الكبير محمد الأخضر الذي كان أستاذا للأدب العربي في تلك الثانوية التي كانت تدرس بها أحلام.

ثم شقت أحلام طريقها في محطات أخرى لم تكن كلها مطرزة بالذهب و لا مفروشة بالورود، فالحساد و الغيورون كثيرون ، فلمثلما يضعون أمامك العراقيل في عالم السياسة،فإن من يحاربون حرفك الجميل عندما تكتب قد يكونون من بني جلدتك و ربما أقرب الناس إليك .

السيرة الروائية (أصبحتُ أنتَ) للروائية و الشاعرة أحلام مستغانمي كتبت بلغة جميلة تجعلك تقرأ هذا الكتاب على نفَسٍ واحد .

فعندما تسرد علينا قصة ببغاء الجار الذي لا ندري من علَّمه نُطق اسم أحلام حيث كان يوقظ الجيران كل صباح و هو يصيح : أحلام ..أحلام مما جعل الجدة التي كانت تقاسم أحلام فراشها و كأنها أمسكتها بالجرم  المشهود من كونِ أن أحد أبناء الجيران مولع بها و أنه هو من يناديها مع ذلك الفجر المبكر كل يوم !!..

ثم تكتشف الجدة والعائلة  فجأة و بالصدفة أن ذلك الجار الذي كان ينادي أحلام كل فجر لم يكمن سوى مجرد ببغاء !!.

و لما حاول الكبارُ و الصغار تلقينه أسماءهم جميعا لينطق بها رفض الببغاء كل ذلك بنوع من الإباء  و الإباء، ثم دخل في حالة حزن حتى عثر عليه بعد يومين منتحرا بعد أن غرس مخالبه في عنقه .

و كأن أحلام ترمز بهذه القصة بأن حرية التعبير ترفض كل القيود و الإملاءات الفوقية ، و أن الموت في سبيل الحرية هو أقوى من كل القيود و التضييقات .

السيرة الروائية للشاعرة و الروائية أحلام مستغانمي تستحق أكثر من وقفة، لأن فيها من المتعة و من الحكايات و السرد الشاعري الجميل ، و من الرسائل المشفرة و غير المشفرة ما لا تكفيه وقفة عابرة كهذه .

فليست كل السير مجرد سرد للماضي، و لكنها قد تكون رسائل للمستقبل.

و لعل ما قاله لي الراحل رابح بيطاط أحد قادة الثورة الستة البارزين في الجزائر رحمه الله ما يوحي بأن السير و المذكرات لا تحمل دوما مجرد ذكريات مسلية و عابرة نسردها للقارئ بشكل مشوق ليتلذذ بقراءتها و يستعيد بعض الأمجاد و القصص و الصور  المشوقة و الذكريات ، لكنها قد تحمل معها حقائق قد تكون مؤلمة  و صادمة للبعض ، و قد تثير وراءها الزوابع كما حدث مع ما رواه الرئيس الراحل أحمد بن بلة رحمه الله في حواره للجزيرة ، و ما رواه الرئيس الأسبق علي كافي رحمه الله في كتابه : مذكرات الرئيس علي كافي : من المناضل السياسي إلى القائد العسكري ، و غيره من الكتب و المذكرات.

و قد قلت للمرحوم  بيطاط ذات يوم  ــ و قد كانت المأساة التي عاشتها الجزائر آنذاك ما تزال تلقي بظلالها على الجزائر و تثير ذكريات قاسية في نفوس أولئك القادة ــ أقول سألته:

لماذا لا تكتب مذكراتك و أنت واحد من الرموز الكبيرة في ثورة أول نوفمبر ؟

 أطلق الراحل بيطاط عندها تنهيدة كبيرة،  ثم راح يتأمل في تلك الوجوه التي تحيط  به و بعضهم كان من رفاقه في السلاح أثناء الثورة ثم قال رحمه الله : و هل تريدني أن أزرع قنابل أخرى في الجزائر غير تلك القنابل !!

لقد فضل كثير من كبار قادة الجزائر الصمت ، و لم يكتبوا و لم يسجلوا ، و تركوا لنا غصة في الحلقة ، لأنهم ذهبوا و ذهب جزء كبير من تاريخهم و تاريخ الثورة معهم .

و لذلك فإنني كتبت ذات مرة : الخوف من التاريخ .. و الخوف على التاريخ ..

فهناك من يخافون من أن تفجر بعض حقائق التاريخ كثيرا من المفرقعات و القنابل ، و لذلك فهم يفضلون الصمت .. و هناك ــ و نحن منهم  ــ من نخاف على التاريخ أن يضيع أو يزيفه المخربشون و العبثيون و هواة المفرقعات السياسية.

و لعل سؤال و جواب الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ للمجاهدة الجزائرية جميلة بوحيرد التي زارت الصين ضمن وفد من المجاهدات الجزائريات عقب استعادة الاستقلال:  هل كتبت مذكراتك ؟

و جوابها بالنفي .. ثم قوله لها بأنك إن لم تكتبي مذكراتك فإن هناك من سيأتي بعدك و يحاول إلصاق الخيانة بك ، لعل هذا الجواب يلخص الإلحاح الذي نبديه بضرورة الكتابة للمذكرات و التاريخ حتى لو كان في ذلك شيء من الذاتية أو المبالغة .

و قد أحسنت أحلام صنعا عندما كتبت ، فأن نكتب أحسن من أن نصمت و تضيع كثير من الحقائق التي لا يجب أن تبقى مدفونة في الصدور أو في الرفوف .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ( 14 )  الدكتورة عقيلة دبيشي / الجزائر  

 

 أصبحتُ أنتَ.. قراءة في رواية أحلام مستغانمي  

  

 

أصبحتُ أنتَ.. بينما أنت جالس في شرفة منزلك ترتشف فنجانا من القهوة، يأتيك “زائر المساء” الحنين حيث السعادة والألم والشجون والحزن، معهم كثير من المشاعر المختلطة التي تدغدغك، فقط لأنك ذهبت في رحلة للزمن البعيد.

فنجانا تلو الآخر، ولا تزال تتحدث لنفسك عن الماضي حيث الأمان النفسي والراحة والاطمئنان بالعيش في الأيام الخوالي، مع أناس لن يتكرروا ولن يعودوا، فقط لأنهم أصحاب قلوب بيضاء مليئة بالحب والعطاء.

قد يهمك أيضًا

البيت الأبيض على صفيح ساخن.. ترامب يفتح تحقيقا مع بايدن وإدارته بتهمة التستر على مرض الرئيس الأمريكي السابق.. والأخير: تشتيت سياسي لإقرار تشريعات كارثية

أفضل أدعية يوم عرفة.. خير ما قال النبي والنبيون من قبله

كانت الطيبة عنوانا لمن تعلقنا بهم ، ولمن كانوا يمتلكون تفاصيل لا يمتلكها آخرين، مهما تغيرت الأماكن وتبدلت الشخصيات لن ننسى أبدا من تركوا في حياتنا بصمة بارزة، فهذا ماضينا جميل بجمال من عاشوا فيه وساطع بنقاء أرواحهم التي كانت في القرب منها راحة.

عزيزي القارئ.. لن أتركك وحدك تقلب في دفاتر الماضي، تطوي صفحاته واحدة تلو الأخرى، لكن أهديك “أًصبحتُ أنتَ” واحدة من أروع ما كتبت الروائية الجزائرية «أحلام مستغانمي» وفيها خطفت أضواء الإبداع ، وذهبت لتسرد سيرتها وحنينها للماضي، رحلة ممتعة ودافئة لسيرتها الشخصية، وكيف كانت مرتبطة بأسرتها

العنوان والغلاف الأمامي والخلفي لـ أصبحتُ أنتَ

 

جاءت الرواية في طباعة أنيقة، وغلاف مصممٌ بعناية تزيّنه صورة مستغانمي على الغلاف الأمامي، وصورة والدها محمد، على الغلاف الخلفي، مع استشهاد (على الغلاف الخلفي كذلك) بكلمات الرئيس الجزائري أحمد بن بلة (1916 ــ 2012) الذي مدح مستغانمي كعروبية و”كشمسٍ جزائرية أضاءت الأدب العربي ورفعت بإنتاجها الأدب الجزائري إلى قامة تليق بتاريخ نضالها”.

 

بدءًا من اختيار العنوان وتقديم الكتاب، يظهر تأثر الكاتبة بوالدها وهي تهديه الكتاب بحزن بالغ: “ما جدوى ما أكتب ما دام ليس في المقابر مكتباتٌ ليقرأني أبي”. في الوقت نفسه، هي تهدي والدتها الكتاب على شكل صراع وإن كان خفيًّا: “أمي، أهديك هذا الكتاب، مطمئنةً أنكِ لن تقرئيه، ولن تحاسبيني عما جاء فيه، اعتبريه هدية متأخرة من أبي، فلا تواصلي معاتبته (هناك). برغم كل شيء، لقد أحبّك…”.

 

أجزاء الرواية

 

تنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء، كل جزءٍ يأتي على فصول عدة. تروي مستغانمي حياتها على طريقتها. تحاول الغوص أكثر في عالمها الداخلي، فتحكي في الفصل الأوّل من الجزء الأول: “بعدك أصبحتُ أنت. أعدت اقتراف كل حماقاتك، خسرت بسخاء، وبسخاءٍ تهكمتُ على خساراتي. أكرمت أعدائي لأنّ لا قصاص أكبر من الكرم. أحببت كما لو كنتُ أنت، كذبت لأختلق لمواعيدي العاطفية ذرائع وهمية كما فعلت”. تصلح هذه الجمل لنشرها كصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إنّها أقرب إلى الحكم منها إلى نصّ أدبي بحت. لكن مستغانمي نجحت – منذ روايتها الأولى– في تكوين تلك الصورة حول ذاتها بأنها تكتب هكذا. فمن هنا يخلق هذا النص نوعًا من الارتباط مع “جمهور” يحب هذا النوع من الكتابة.

 

تتناول التاريخ الجزائري المليء بالحكايات والأحداث وتربطها بحياتها الخاصة: “حدث ذلك من قبل، في زمن الأمير عبد القادر (الأمير عبد القادر الجزائري)، الذي كان منذ شبابه يسافر إلى الحج، متبوعًا بقافلةٍ محملة بمكتبته، ولا يقصد أرض المعركة إلا مصحوبًا بكتبه، وحين أرغم على الهجرة، حمل مكتبته بحرًا وبرًّا من الجزائر إلى فرنسا ومن فرنسا إلى الشام.. لا أدري كيف استطعتُ إقناع جدتي باستقبال ثمانية مجلدات ما كان البيت ولا الظرف مهيأين لاستقبالها في زمن الأوبئة والمجاعة. ربما تقبّلت الأمر لأجلك، فقد كنت كل ما استطاعت إنقاذه من براثن الحرب والأمراض”.

 

في الجزء الثاني، تسير الكاتبة الجزائرية ذات المسير، وتبدأ بالفصل الأول مازجةً بين التاريخ والشخصي على عادتها: “كان التاريخ جارنا المهيب، بيننا وبينه مسافة رصيف، لكنني لم أعِ ذلك إلا عندما أصبحت أشاهد حيّنا في نشرات الأخبار المسائية”. وتربط بين الأحداث التي عصفت بالجزائر في مواجهة المحتل الفرنسي، ولا تنسى أن تورد شخصياتٍ ذات ثقلٍ ملحمي من نوع الثائرة الجزائرية المعروفة جميلة بوحيرد، فقالت عنها: “فقد صنعت صبية جزائرية تدعى جميلة بوحيرد الحدث، وهي تدخل المقهى بأناقة أوروبية وتترك حقيبتها تحت الطاولة، فيسقط إثرها روّاد المقهى بين موتى وجرحى”، في إشارة إلى عملية مقهى Milk bar الشهير الواقع في الجزائر العاصمة. ولا تنسى أن تمزج كل شيء، بتعليقاتها ذات البعد الشخصي: “في عجلة رحيلهم، تمنّى الفرنسيون لو أخذوا معهم موتاهم، أو حتى أسماء قتلاهم المحفورة على النصب التذكارية، فقد كان لهم إحساس بأن الحجر أيضًا سيتنكر لهم”.

 

أسلوبًا، تحاول “أحلام مستغانمي” استنساخ تجربة “ذاكرة الجسد”، فتستخدم “أقوال مشهورة” لكتابٍ معروفين لتجعل ما تكتبه قريبًا من القرّاء. تأخذ من أسماء معروفة، غربية وعربية مثل فولتير، دوستويفسكي، وغسان كنفاني، ومريد البرغوثي، ورسول حمزاتوف، وأدونيس، وناظم حكمت، ومالك حداد… تستخدم هذه الأقوال بمثابة “قواطع” بين ما تكتبه وكنوعٍ من العناوين الداخلية لما تكتبه. لكن في رواية «أصبحتُ أنت»، نجد ما ابتعدت عنه الكاتبة الجزائرية في أعمالها السابقة، إذ نعثر على قصص قصيرة للغاية مدموجة داخل نصٍ مسبوك بجمالية خاصة يستحق القراءة بنظر البعض، فيما قد يراه آخرون ثقيلاً بدون أي تقنيات كتابية.

 

بعد الفصل الأوّل، يغدو الكتاب مكررًا معادًا، فيصبح مجرد سرد لأحداث تاريخية مع بعض التعليقات ذات البعد الحِكمي الطفولي.

 

 

 

****

 

قراءة في ثنايا الرواية

 

تمثل النصوص الإبداعية جانبا من حياة صاحبها وتعكس رؤيته للمعطيات الواقعية وما يعاينه في عصره من حركة محتدمة تلقي بتأثيرها العميق على الوعي، وتساهم في نضج الإدراك بتركيبة بيئته الاجتماعية والسياسية والثقافية. غير أن ما يتم تقديمه من خلال الأعمال الأدبية قد لا يكشف النقاب عن كل شيء، لذلك فإن البحث عن صورة الكاتب سيكون مستمرا خارج مضامين إصداراته. ومن هنا تحظى الحوارات المنشورة مع المبدعين باهتمام المتلقي، لأنها تفسح المجال المعرفة وجه آخر من تكوينهم المعرفي وحيثيات المكابدات الناجمة عن الاصطدام المضني بالأنساق التقليدية، وما يمكن أن يكلف القفز فوق الأسيجة من الأثمان الباهظة.

 

إن تغطية المحطات الإبداعية والتحديات الحياتية تتخذ بعدا أوسع في المواد السيرية بشقيها الذاتي والغيري. إذ ينشر المتكلم أوراقه على حبل السرد محددا ما يناسب السياق من الضمائر. وفي هذا الإطار أرادت الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي الإيحاء بما ينبسط في سيرتها من عتبة العنوان “أصبحت أنت”، إذ يكون أفق التوقع مستنفرا لرصد محتويات خطاب ثيمته هي رؤية الكاتبة لحياتها الشخصية وللمرحلة التي عاصرتها في آن واحد.

 

صورة الأب وما يتبادر إلى الذهن بمجرد مقابلة تلك العبارة المكونة لعنوان الكتاب الصادر عن دار “هاشيت أنطوان” من الجملة الفعلية المضمرة لدلالة الصيرورة، هو أن حياة الكاتبة كانت حافلة بالمواقف المفصلية. وعلى غير ما هو سائد في المؤلفات السيرية، إذ تحتل ملفوظات حياتي” أو “السنون” أو “ذكرياتي” موقع العنوان، فإن مؤلفة “ذاكرة الجسد” تثبت على الغلاف مفردة لا تخلو من الرغبة في كسر التقليد. كما أن العلامة التجنيسية تبدو مراوغة سيرة روائية، كأن الغرض من ذلك هو التحرك بالرشاقة على أرضية التخييل مع أن أحلام مستغانمي لا تتوانى عن التوثيق للأحداث التي تسردها بالتاريخ والتفصيل في ذكر المشاركين في تشكيل المصائر.

 

تتشابك سيرة الكاتبة مع الوقائع الفارقة التي عاشتها الجزائر إبان عهد الاستقلال، ومن المعلوم أن حركات التحرر الوطني قد شهدت مرحلة العنفوان عقب الحرب العالمية الثانية. وكانت الجزائر ملهمة بنضالها البطولي للشعوب المقهورة، وسخية بتضحياتها لدحر الاستعمار الجاثم على ترابها. إذن فمن الطبيعي أن تستعيد مستغانمي مشاهد من صميم الواقع الثوري لأنها واكبت الآمال الفتية التي لولاها لما استجاب القدر لإرادة الشعب، كما طالتها تبعات أخطاء كبيرة، باتت عرفا متجذرا في المشاريع الثورية، إلى أن أصبحت الأخطاء الكبيرة صنوا لثورات كبرى.

 

تترأس بدايات كل فصل من المادة السيرية جملة، تستشف منها ما تبوح به الراوية بالضمير الأول في الحزمة السردية. وما إن تقص الكاتبة شريط السرد حتى تستحضر الأب محيلة إلى الشخصية التي كانت تتقمصها إذ تتخيل وهي بصدد استنهاض الذاكرة أنها قد انساقت إلى محاكاة “شهرزاد” عندما كانت تروي مساء تفاصيل يومها.

 

لم يعد هناك ما هو طي الكتمان بين الاثنين الأب وابنته سوى ما كتبته الابنة وذلك لحاجز اللغة لأن الأب كان مقيمًا في لغة المحتل الفرنسية. تعود أحلام إلى لحظة رحيل الأب مسترسلة بأسلوب مشحون بالعاطفة في الإبانة عن قساوة الغياب. والمؤثر في هذا الإطار هو اعتراف الكاتبة بأنها تعمدت إخفاء كتاباتها عن الأب حين كان الأخير على قيد الحياة والآن في غيابه ما عاد لديها أمل في أن يقرأ ما ينشر لها، وهذا ما يعمق الشعور بالأسى هنا تقع على قولة لامارتين: “شخص واحد ينقصك وإذا بالدنيا مقفرة لا أحد فيها”، وعلى منوال ذلك تكتب مستغانمي مخاطبة الأب: “كل كتاباتي تنقصها دهشتك. كل نجاحاتي ينقصها زهوك”، وتكشف في ذات السياق عن أواصر بين بطل روايتها “ذاكرة الجسد والأب الغائب، معلنة أن كل الدموع والأحزان على خالد وعلى قسنطينة كانت الرسالة والغاية منها إبلاغه بما حل بعده.

 

تعلن الكاتبة أنها تمنت لو تصادف بين من بادلتهم الحب شخصا تمكن من تصحيح الأخطاء في رسائلها كما كان يفعل الأب، إذ لم يتغافل عن تصحيح أخطاء إملائية في رسائلها وهو راقد في المستشفى بباريس. ومن ثم يعيد إرسالها إلى الابنة. إذن اليتم برأي أحلام هو أن تخطئ ولا يصحح لك أحد. وفي هذا المفصل تشير الكاتبة إلى الخوف من الكتابة وإلى أنها توجست في البداية من أن الكاتب تشي به كتاباته إلى أن تتأكد بأن الحقيقة تكمن فيما يمحى لا فيما يكتب.

 

لا يوازي تغلغل صوت الكاتبة في النص سوى حضور طيف الأب وذلك ما يستدل به من العنوان فتسلل أسماء مشاهير الأدب أمثال فيكتور هيغو ولامارتين وفولتير إلى أجواء السيرة يكون عبر ذكرى محمد شريف المستغانمي لا ينفصل الزمن الذاتي في المروية السيرية عن الأحداث التي طبعت العهد الجديد في الجزائر وبالتالي يتقاطع الزمن الذاتي مع الأزمنة المجتمعية، وأحد أسباب هذا التشابك الزمني يعود إلى انخراط الأب في الحركة الثورية، كما أن بعض اللحظات في حياة أحلام كانت متزامنة مع تحولات مؤثرة على المستوى السياسي.

 

شاء القدر أن تزور الراوية لأول مرة مستشفى مايو العسكري حيث يعالج الأب في نفس الوقت مع الانقلاب على أحمد بن بلة، وهكذا ينتقل الأخير من سدة الرئاسة إلى السجن، غير أنه هذه المرة يكون سجينا في عهدة أصدقاء الدرب ويعني ذلك أن الثورة بدأت تأكل أبناءها، وما أنقذ الأب من هذه الموجة التي أودت بحياة عدد من رفاقه هو وجوده في المستشفى بعدما افترسه القلق وأثقلت الكوابيس حياته إلى أن تبدت أعراض الجنون جراء محاولة اغتياله بيد جزائرية.

 

وعلى الرغم من محاصرة الأب في المستشفى وانقطاعه عن العالم، فإن أحلام لا تنقطع عن زيارته مستعيدة تفاصيل الأيام التي كان يمضيها محمد شريف وهو يصارع شبح الانهيار. ويتكتم على حقيقة جرحه بالتظاهر بأن ما يعانيه هو نتيجة الصدمة العاطفية. تزداد في العزلة قيمة أشياء تفتح كوة مع العالم وهذا ما يفسر توق الأب المتابعة الجرائد وانكبابة على الكتابة في دفترين، وبذلك تخف وطأة أشباح الوحدة ويتحول الحصار إلى فرصة للكتابة، ومستنده لهذا الاختيار هو أن معظم الأعمال العظيمة كتب في السجن. كما أن مفعول الكتابة أجدى من الأدوية التي يتعاطاها المريض، هنا يذكره الطبيب الفرنسي بكلام جورج باطاي الذي صرح بأنه يكتب تفاديا للانزلاق نحو الجنون.

 

إن أحلام تجوس في خفايا شخصية الأب وهو ليس نسخة أحادية بل تراه في صورة المناضل الذي كان يجمع الأموال الدعم الثورة تارة، ويمتهن التدريس في تونس تارة أخرى، ومن ثم يتفرغ للاهتمام بوضع المزارعين ومشروع التسيير الذاتي في عهد الاستقلال، حيث كانت للبعد الثقافي منزلة في حياة الأب وهو يغامر بتكوين مكتبة كبيرة. ويتصاعد الحس الوجداني في المفصل الذي تتناول فيه الابنة مكتبة الأب وما ستؤول إليه بعد مغادرتها إلى باريس ذاكرة في ذات المنحى أن العلاقة بالكتب تضاهي العلاقة العاطفية، فقد تقرأ عناوين كثيرة لكن لا يستهويك إلا كتاب واحد وتغرم أحلام برواية “زوربا” التي تجدها في مكتبة الأب بين لفيف من الكتب الفرنسية.

 

لا شك أن ما يضفي قيمة كبيرة على سيرة المبدع هو المفاصل التي يسرد فيها بداية مرحلة التكوين، لأن المستقبل الابداعي هو امتداد للنواة الأولى من العناوين التي يتعرف من خلالها على عوالم موازية ويتم القبض على مفاتيح لفضاء مغر بالاكتشاف تتوارد في طيات هذا النص السيري خطابات رديفة بصيغة المقتبسات لكبار الأدباء العرب والأجانب، الأمر الذي يؤكد وجود خلفية معرفية زاخرة في شخصية الكاتبة. لكن لا تفرد أحلام مساحة للحديث عن العناوين والكتب التي تغذت منها الذائقة الإبداعية وانشات حسها المعرفي على غرار ما تلاحظ ذلك لدى “فرانسواز ساجان” أو “لطفية الدليمي” أو “سحر خليفة”. جل ما يسجل في هذه الحلقة ليس أكثر من تلميح إلى أحد أصدقاء الأب الذي أقنعها بأن تغدو روائية لا يشق على المتلقي إدراك أن أحلام تحن إلى بداياتها الشعرية وهي كانت في التاسعة عشرة من العمر عندما نشرت مجموعتها الشعرية الأولى “على مرفأ الأيام”، وقد تكون هذه العودة إلى الشعر محاولة للتماهي أكثر مع شخصية الأب لأنه كان شغوفًا بهذا الفن.

 

وفقت صاحبة “الأسود يليق بك” في استجلاء بداية انطلاقتها الشعرية بايجاد بنية متجاورة بينها وبين الشاعر الداغستاني “رسول حمزاتوف” فكلاهما كان متأرجحًا بين الولاء للشعر والانحياز للأم.

 

ويستمد النص عناصر التشويق من حيويته ومخالفته لتوقعات القارئ والمألوف من السيرة الذاتية أن تدور حول التجارب والمشاهدات المسرودة من زاوية “أنا” الفاعلة في الحدث، ولا يخرج ما كتبته أحلام مستغانمي عن هذا الخط غير أن ما يكسب مرويتها السيرية خصوصية ونغمة غير تقليدية.

 

هو التمكن من استبطان روح العصر عبر رموزه وأيقوناته.

 

وحين ترتد بالذاكرة إلى أول عيد للاستقلال تدير العدسة نحو ثلاث شخصيات كانت بصماتها ماثلة على خارطة القرن العشرين؛ جيفارا بثوريته المتجددة وبن بلة بتلويحة النصر وعبد الحليم حافظ بصوته الخلاب. وقد احتفل هؤلاء مع الشعب. وتؤكد أحلام على هذا التفرد الزمنى لأنه لم يحدث أن اجتمع كبار بهذا العدد في زمن واحد فالعالم قد دخل إلى حالة حب جماعية لأيقونات الحرية والثورة، لذلك كانت العاطفة متأججة بمزاج ثوري.

 

وتعتقد أن الأب قد وقع في غرام ناتاليا لأنه قد وجد فيها صورة للبطلة لیبا رادتيش مثلما أحب العرب كل جزائرية كما لو كانت نسخة لجميلة بوحيرد. ويتكرر هذا النفس العاطفي في تجربتها الشخصية فأحبت المدرس المصري لأن ملامحه تجمع بين صورة عبد الحليم وعبد الناصر وما إن ينتهي الزمن المصري حتى تبدأ الحقبة العراقية مع مجيء أستاذ الرياضيات، والطريف أنه حاول مغازلة أحلام بعدما فقد الأمل في صديقتها. طبعا هذا يقودنا إلى دور الأنموذج المثالي في التوجيه الذهني والنفسي للأجيال.

 

وما يشد الانتباه أكثر أن الكاتبة في متابعتها لمعاناة الجزائر مع الاستعمار والتنكيل بالشعب لا تتجاهل مواقف فرنسيين كانوا مؤازرين الحرية الجزائر ودفعوا ثمنا باهظا، ومنهم موريس أودان الذي لفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب، كما تم التمثيل بجثة “هنري مايو” لأنه هرب بالأسلحة إلى الثوار. وأعدم “فيرناند إيفتون”، ومن جانبه نشر سارتر “جميعنا قتلة”، وهم من الصفوة المناهضة للإرادة الاستعمارية.

 

ولا تصرف أحلام مستغانمي النظر عن المظاهر المخيبة للأمل في مرحلة الاستقلال، ولعل ما يشير إلى الملمح النقدي هو كلامها الصريح بأنها انتظرت ثلاثة عقود لتصليح مصعد المبنى الذي أقامت فيه فإذا بها تتفاجأ بأن جميلة بوحيرد تسكن أيضًا في الطابق الحادي عشر في أحد المباني ومصعدها معطل.

 

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا النص سيرة لحياة أحلام مستغانمي غير أن ما ينجلي عنه الغموض الذي يبثه العنوان أن الكاتبة تروي مسيرة الأب وهي تعلن أنها قد حذت حذو الغائب، وبهذا تنحو حركة الكتابة منحى دائريًّا.

 

 “أصبحت أنت” هي سيرة روائية للكاتبة الجزائرية الكبيرة (أحلام مستغانمي)، وفيها تسرد بصيغةٍ روائية جذابة، مقتطفات من سيرتها ومذكراتها، تكشف أحلام في مذكراتها “أصبحت أنت” سنوات تفتحها واكتشافها حب المراهقة البريء، بداياتها مع الشعر وبرنامجها الإذاعي الذي أطلقها في الجزائر، علاقتها بوالدها المناضل الجزائري، وبوالدتها، وباللغة العربية التي كانت من أولى دفعات الشباب الجزائري الذي اعتمدها وتخرّج من جامعاتها، وعيها على القضايا الوطنية في الجزائر الفتية التي حققت استقلالها وما تلا ذلك من قضايا نشوة الاستقلال.

 

ولأن معظم الرواية تخاطب فيها والدها تحكي له ما حدث بعد رحيله، فإنه يمكن اختزال الرواية بالمثل العربي: (كلّ فتاةٍ بأبيها معجبة)، إذ إن مجمل الرواية تداعياتٍ لذكريات الكاتبة مع أبيها.

 

ويمكن تقسيم الرواية إلى عدة محاور:

محور الطفولة

 

 

وتبدأ سرد روايتها أثناء طفولتها ونشأتها في الجزائر، حيث تعيش تحت ظلال علاقات عائلية معقدة وتجارب حياة صعبة.

 

تكشف أحلام في الكتاب عن مدى ارتباطها بوالدها وأثره عليها والذي ظهر من بداية الكتاب وتشعر أن الكتاب هو رثاء لوالدها الذي عرف سجون الاحتلال الفرنسي عام 1945م و حياته في تونس، و عودته إلى الجزائر عشيّة عيد الاستقلال، ثم انهياره العصبي ودخوله المستشفى على إثر محاولة اغتياله، بعد أن دخلت الجزائر مرحلة تصفية الحسابات بين رفقاء السلاح، حتى رحيله عام 1992م وتوضح سيرة والدها الشاعر المثقف التقدمي. الذي منعه الاستعمار الفرنسي من تعلم اللغة العربية فأدخل ابنته مدرسة عائشة الثانوية والتي كانت أول مدرسة تدرس اللغة العربية في الجزائر لتثأر له ابنته وكان مصدر إلهامها وقد دعمها في أول أمسية شعرية لها ومن خلال سيرتها نعرف أن هناك أماكن في العاصمة الجزائرية لفتت إليها وجعلت لتلك الاماكن ذاكرة وتاريخ وقيمة معنوية مثل حديقة قصر الحكومة التي كانت تلقي نظرة على أزهارها، ومصحة مايو بباب الواد التي رقد فيها والدها، وثانوية عائشة التي تخرجت منها، وسيرتها تؤرخ تاريخ الجزائر فهنا نلتقي مع بن بله، وبومدين، وجميلة بوحيرد، وهنري مايو، وهنري علاق، وفرانس فانون، وغيرهم من المناضلين وأصحاب المبادئ، الذين ساهموا في صناعة قدر الجزائر.

 

 

 

محور التحولات الشخصية

 

 

أحلام تواجه تحولات كبيرة في حياتها، تبدأ بالبحث عن هويتها ومعنى وجودها. ومثل هذه التحولات كانت أن لجارها ببغاء حفظ اسمها فعندما كانت في زيارة لجارها ردد الببغاء اسمها فتجمع حوله الكبار والصغار ليردد أسماءهم وكلما زادوا إلحاحًا زاد الببغاء عنادا فكانت الصدمة أن الببغاء بعد يومين انتحر بغرس مخالبه في عنقه، وحزنت احلام حزناً شديداً لأنها اعتقدت أنها السبب، وحدث أيضًا أن جاءها خالها من الصحراء بغزالة صغيرة أطلقها في الحديقة كانت سعيدة معهم فكانوا يلاعبونها ولكن حاجتها للحرية تزداد يومًا بعد يوم إلى أن قفزت ذات يوم من مكان مرتفع الي الشارع فكسرت قوائمها ولم تعش بعدها إلا أيام معدودة، فتعلمت احلام أن الحرية تحتاج إلى خفة لا يمتلكها الإنسان، وتعلمت أيضًا أنه لا يمكن تغيير فطرة الكائنات الحية.

 

 

 

محور البحث عن الحب

 

 

تعيش احلام تجارب عاطفية معقدة، تتناول الرواية مفهوم الحب وتأثيره على تكوين شخصيتها.

 

حيث كان حبها الأول لمدرس مصري يدرسهم اللغة العربية في المدرسة وكان أيضًا يحبها، وكأنها عاشت معه فيلم معبودة الجماهير (شادية وعبدالحليم حافظ)، وكانت أم كلثوم رفيقتها في سهرها، إلا أن المدرس ترك المدرسة وسافر، مما أحزنها كثيرًا وأثر عليها. وكان لها مدرس عراقي يدرسهم الرياضيات وقع في حب تلميذة زميلة لها فذهب لخطبتها فرفض والدها ومنعها من الذهاب إلى المدرسة فكانت احلام توصل لها الرسائل منه، ولكنه وقع في حبها، وكان ينوي خطبتها، ولكن تركت المدرسة قبل ذلك ولا تدري كيف انتهت حكاية العاشق الولهان.

 

محور التحديات الاجتماعية:

تظهر كشخصية نسائية تواجه التحديات الاجتماعية وتسعى لتحقيق حريتها في مجتمع تتغير قيمه.

 

تظهر أحلام كشخصية نسائية تواجه التحديات الاجتماعية وتسعى لتحقيق حريتها في مجتمع تتغير قيمه. ومن التحديات أن كان لها أستاذ له برنامج إذاعي فاطلعت عليه شعرها فطلب منها الحضور إلى البرنامج، وعرضوا عليها أن تقدم برنامج شعريًّا، وعرضت الأمر على والدها فأقنعته وقال لها (أنا أثق بك) ظلت تلك الكلمات الثلاث ترافقها حتى بعد رحيل والدها.

 

أما أمها فقد استبدلت بالكلمات الثلاث ثلاثة أحرف: «عيب»، وكان تفكير أحلام أن (عيب) لا تعني نظرتي إلى نفسي، بل نظرة الآخرين لي. وهي ما أكدته بقولها: “كلمة رافقتني إلى ما بعد زواجي”. فالعمل بالإذاعة عيب، ووضع قليل من الزينة قبل الزواج عيب والزواج بمن تختارين عيب.

 

واكتشفت أحلام أن الأنوثة ضعف، وخوف، وشبهة، وخطأ، وخطيئة، وأن الأنثى وحدها المسؤولة عن شرف العائلة، وأن حياتها في كل الأعمار تتحكم فيها ثلاثة أحرف: «عيب»، وهو حكم مختلف بالنظر إلى أنها على مدى عصور كانت تولد باسم من ثلاثة أحرف أخرى: «عار»، وبسبب هذا العار كانت تدفن حيةً فور ولادتها، حتى قبل أن تحمل اسمًا أو تقترف إثمًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

صدوق نور الدين : ‬كاتب‭ ‬مغربي‭ ‬‎

 أحلام مستغانمي بين الرواية والسيرة الذاتيَّة

( جريدة الصباح 2024/03/13) 

 

يرتبط مفهوم السيرة الذاتية بحديث الكاتب تحديداً عن حياته الشخصية. وبالتالي، مجمل المراحل التي مرت بها هذه الذات. ولذلك يجنح كاتب السيرة في الغالب إلى اعتماد ضمير المتكلم في محاولة لترجمة أحداث وقضايا تعمل الذاكرة على استعادتها. بمعنى آخر، أن المنتج في حال السيرة الذاتية يرتبط بالماضي، وتتغيا الكتابة تحويله حاضراً تتحقق قراءته والتفاعل معه. إلا أنه ليس من الملزم أن يدون كاتب السيرة الذاتية تفاصيل حياته برمتها، وإنما يختار أن ينتقي ما يعدّه ملائماً للكتابة، علماً بأن فضاء التقاليد الذي يتواجد فيه الكاتب يفرض ممارسة نوع من الرقابة على وقائع وأحداث يأنف من سردها.

هذا في الجوهر، ما اعترف به كتّاب طبقت شهرة سيرهم الذاتية الآفاق، سواء في مذكراتهم أو رسائلهم أو حواراتهم. ويكفي التمثيل بما جاء به القاص والروائي المغربي عبد المجيد بنجلون(1919/1981) مؤلف “في الطفولة”(1957)، ومحمد شكري (1935/2003) في “الخبز الحافي (1982) التي تعد الجزء الأول من ثلاثيته الذاتية. وقد يكون الأمر ذاته طال “الأيام” (1929) لطه حسين (1889/1973) و”غربة الراعي” (1996) لإحسان عباس(1920/2005) و “حصاد السنين”(2005) لزكي نجيب محمود(1905/1993).

 

على أن تحقق كتابة السيرة الذاتية في الأدب العربي، من الممكن أن يتم في مراحل مبكرة، وهو حال “الأيام” و”الخبز الحافي” و”سارة” (1938)، كما من الممكن أن يتأخر إلى فترة عمرية يكون فيها الكاتب تشرَّب المعاناة الحياتية والفكرية حيث يتولّد الإحساس بدنوِّ النهاية. ويشكِّل الموت، الدافع الرئيس لتدوين السيرة الذاتية. ونمثل بسيرة عبد الرحمن بدوي (1917/2002) “قصة حياة” (2000)، و”ذكريات الأدب والحب” (2002) لسهيل إدريس(1925/ 2008) و”البئر الأولى” و “شارع الأميرات”  لجبرا إبراهيم جبرا (1919/1994). وقد يحول العامل النفسي دون إتمام تدوين السيرة، علماً بأن ثمة من كتب سيرته الذاتية في جزء واحد فقط، ومن امتد بها بامتداد مراحل حياته، وهو حال مصطفى الفقي وجلال أمين وثروت عكاشة، ومن خانه الزمن بعد أن وعد بإصدار الأجزاء المتبقية من سيرته الذاتية.

 

أحلام مستغانمي.. من الرواية إلى السيرة الذاتية

 

 تأسس القول الإبداعي في تجربة أحلام مستغانمي بداية من الكتابة الشعرية. إذ، منذ ديوانها النواة “على مرفأ الأيام”(1972)، وإلى “عليك اللهفة” (2014)، واصلت الانخراط في الممارسة الشعرية المطبوعة بخاصات الحب والحنين. الانخراط في الجوهر، وسم لغتها الأدبية بالشعرية التي تجسدت _أساساً_ في كتابتها الروائية. 

 

على أن ممارسة الكتابة الشعرية، لم تخوِّل الاسم العلم مرتبة التداول والذيوع الذي تحقق انطلاقاً من ثلاثيتها الروائية “ذاكرة الجسد” (1993)، “فوضى الحواس” (1997) و”عابر سرير” (1998)، حيث ظفرت بجائزة عميد الرواية العربية نجيب محفوظ عن العام(1998)، وبالتحديد عقب إصدارها للجزء الأول “ ذاكرة الجسد” الذي قال عنه/فيه الشاعر السوري الراحل نزار قباني(1923/1998) : 

 

“ روايتها دوختني. و أنا نادراً ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق. فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني وخارج على القانون مثلي. ولو أن أحداً طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر لما ترددت لحظة واحدة. “

 

بيد أن السؤال الذي يجدر طرحه لمناسبة صدور سيرتها الروائية “ أصبحت أنت” (نوفل/بيروت/2023) يرتبط بالعلاقة التي يمكن أن تصل الإصدار الأخير بالثلاثية السابقة. فالمادة الحكائية التي أسهمت في إنتاج المعنى، قد يتحقق تصريف جزء منها ضمن الثلاثية من منطلق كون الروائي مهما كانت مكانته لا يمكن أن يغترف سوى من بئر الماضي. وتلعب الذاكرة دورها في الاستحضار وعلى الاستدعاء. وأتمثل شاهدين: الأول يتعلق بالروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا الذي اعترف قبل إنجاز سيرته في جزئها الأول والثاني بكونه أقدم على ضم تفاصيل في رواياته. وأما الثاني، فيرتبط بالقاص والروائي المغربي محمد زفزاف (1943/2001) الذي جزم بالمطلق على ألا يدون سيرته الذاتية، بينما اعتبر نقاده بأن كل منجز روائي له تتماهى فيه الشخصية بالمؤلف حد التطابق، وكأن التجربة الروائية في امتدادها سيرة ذاتية كبرى.

 

إن أحلام مستغانمي وهي تصدر سيرتها الروائية، إنما تؤكد على أن هذه السيرة قد تكون محطتها الأخيرة على مستوى الإبداع الأدبي. فالسيرة ظهرت من ناحية في جزء واحد. وفي المرحلة الأخيرة من الحياة، علماً بأن خاصة الخيال والتخييل لا يمكن أن تُمحى أو تقل أو تتضاءل بالنسبة لمن يواصل القراءة أولاً، والإبداع ثانياً. فهل لكون المعنى الوارد في السيرة “أصبحت أنت” تكرار لما جاء في الثلاثية؟ 

 

وحتى تتحقق الإجابة، يلزم القول بأن الكاتبة أحلام مستغانمي كانت واضحة في رسمها الحدود بين 

 

الأجناس الأدبية، إذ اعتبرت الثلاثية روايات، فيما “أصبحت أنت” سيرة روائية. بمعنى أن ميثاق التعاقد بين الكاتب و المتلقي حسب منظِّر السيرة الذاتية الفرنسي فيليب لوجون ومنذ الشروع في القراءة، واضح لا يحتاج إلى نقاش.

 

إن ما عملت الثلاثية على إنتاج معناه، يتجسد _ إذا حق _ في الموازاة بين الحب و الحنين. الحب المرتبط بالوطن الجزائر، حيث تستحضر سنوات الكفاح الوطني ضد المحتل. هذه السنوات تجد قوة حضورها في شخصية خالد الرسام لما تتحول البندقية ريشة غايتها ترجمة الأحاسيس والمشاعر، إلى الانكسارات والخيبات. وتجد الشخصية امتداداتها في بقية أجزاء الثلاثية، وبالتحديد “فوضى الحواس” و”عابر سرير”. فالرواية صيغت بوعي الامتداد والاستمرار، حيث يتحقق التنويع الإبداعي على ما يعد ثابتاً. 

 

وأما في السيرة الذاتية “أصبحت أنت”، ويلفت شاعرية العنوان المحيلة أساساً على شخصية الأدب المهيمن على السيرة، ويستحضر على امتداد المعنى المعبِّر عنه “بعدك أصبحت أنت”، فيتماهى بروحه الوطنية المناضلة بالوطن الجزائر في عشق أقرب ما يكون صوفياً. فأحلام مستغانمي تضع القارئ أمام تفاصيل تتعلق بالأب الذي تكتب عنه في صيغة حوارية بين حاضر هو بالتحديد حياة المؤلفة، وغائب يحيل على الأب. وكأن الأمر يتعلق بتمثل ثنائية الموت/ الحياة. فالسيرة الذاتية كنص، تنفتح على الكتابة الرسائلية التي تعيد التذكير بنضالات الوطن المتطرق إليها في الثلاثية : 

 

“ كل كتاباتي كانت تنقصها دهشتك، كل نجاحاتي كان ينقصها زهوك. أي شقاء أن تكتب للقارئ الذي لا يقرأك”. 

 

على أن السؤال الذي يطرح: هل كانت مستغانمي تدوِّن سيرتها أم سيرة أبيها ؟

 

إن الوعي بالكتابة الأدبية _ وتحديداً السيرة الذاتية_ يفرض شمولية الإحاطة في ما يتعلق بالأسرة. فالحديث عن شخصية الأب نواة السيرة الذاتية “أصبحت أنت”، خاصة أن المرحلة الزمنية المعبَّر عنها ترتبط بالهيمنة الذكورية وتواري شخصية الأم. يطالعنا هذا في نماذج متعددة من السيرة الذاتية العربية: “الأيام”، “حياتي” ،”الخبز الحافي”، “والد وما ولد” وغير هذه النصوص السردية التي تؤكد حضور سلطة الأب وأثرها نفسياً واجتماعياً وثقافياً. ولذلك يبرز أثر الفقدان في هذه السيرة الروائية :

 

“ ما جدوى أن أكتب مادام ليس في المقابر مكتبات ليقرأني أبي”. 

 

على أنه و بالإضافة إلى قضايا الوطن، تتصدى أحلام مستغانمي للعلاقة والإبداع. أقول الصلة بعالم الكتابة والمراحل التي مرت بها : من الكتابة الشعرية _ كما مر _ إلى الروائية، وتمثل صورة الإعلامية من خلال برنامجها الإذاعي وسفرها خارج أرض الوطن حيث تابعت دراستها الجامعية. من ثم، تكتمل 

 

الرؤية إلى الشخصية في “أصبحت أنت”. فالذات هي الأنت، الآخر، الفردي والجماعي على السواء. 

 

                    عود على بدء 

 

تبقى العلاقة بين الرواية و السيرة الذاتية في التجربة الإبداعية لأحلام مستغانمي:

 

1/ علاقة تكامل من حيث التعبير. فأكثر من عنصر يحيل على القضايا الذاتية نفسها. وإذا كانت الثلاثية الروائية عكست لعبة التماهيات، فالسيرة الروائية “أصبحت أنت” دلت بوضوح _ وحسب التحديد_ على شخصية أحلام مستغانمي.

 

2/ يحضر الوطن سواء في الثلاثية أو السيرة الذاتية انطلاقاً من كفاحاته ونضالاته بحثاً عن الحرية والاستقلال.

 

3/ تتماهى شخصية الأب والوطن، من موقع الانتماء والمشاركة والحرص على البعد الوطني والإنساني.

 

4/ يتداخل في السيرة الروائية بالضبط، جنس أدب الرسالة. إذ السيرة الروائية خطاب موجه إلى الأب المناضل والمثقف. و كما يتم الانفتاح على الرسائلي، يتحقق و المذكراتي. إذ أن أحلام مستغانمي في تعبيرها الحياتي عن علاقتها بالكتابة تدون _ في الجوهر _ مذكراتها.

 

5/ إن المشترك بين الرواية والسيرة الذاتية، مكوِّن اللغة الشعرية التي تستدعي صورة الشاعرة في الكتابة الأدبية.

 

_____________

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ( 38 )  عبدالرحمن جاسم

 حزيران 2023

 

حقّقت الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي مكانةً خاصة لها في الأدب حال ظهور كتابها الأشهر «ذاكرة الجسد» (1993)، الذي اجتاح الوسط الثقافي العربي وقدّمها كروائية ذات روحٍ خاصة وحازت عليها «جائزة نجيب محفوظ» (1998) كأفضل رواية عربية، فضلاً عن ترجمتها إلى لغات عدة كالصينية، الإنكليزية، الفرنسية، والكردية وسواها. لاحقاً، أتبعت الرواية بجزأين «فوضى الحواس» (1997) و«عابر سرير» (2003) كانتا بمثابة تكملةٍ للقصة وإن لم تكونا في مستوى الرواية الأولى. الكاتبة/ النجمة سرعان ما أضحت كاتبة مقالات، وصارت لها مقالة أسبوعية في عددٍ من المطبوعات العربية، ولكنها لم تكفّ عن إطلاق الروايات ولو «تدهور» مستواها، فباتت أشبه بكتابة الخواطر. أصدرت أعمالاً عدة بعناوين مثل «نسيانكم» و«الأسود يليق بكِ». حتى إنها قرضت الشعر في كتاب «عليك اللهفة» (2013) الذي كان مشابهاً لأعمالها الأخيرة معنى ومضموناً. وها هي اليوم تغوص في عالم السيرة، وتقدّم كتاب «أصبحتُ أنتَ» (نوفل) كرواية لسيرتها الشخصية.

 

 

الطباعة أنيقة، والغلاف مصممٌ بعناية تزيّنه صورة مستغانمي على الغلاف الأمامي، وصورة والدها محمد، على الغلاف الخلفي، مع استشهاد (على الغلاف الخلفي كذلك) بكلمات الرئيس الجزائري أحمد بن بلة (1916 ــ 2012) الذي مدح مستغانمي كعروبية و«كشمسٍ جزائرية أضاءت الأدب العربي ورفعت بإنتاجها الأدب الجزائري إلى قامة تليق بتاريخ نضالها». بدءاً من اختيار العنوان وتقديم الكتاب، يظهر تأثر الكاتبة بوالدها وهي تهديه الكتاب بحزن بالغ: «ما جدوى ما أكتب ما دام ليس في المقابر مكتباتٌ ليقرأني أبي». في الوقت نفسه، هي تهدي والدتها الكتاب على شكل صراع وإن كان خفياً: «أمي، أهديك هذا الكتاب، مطمئنةً أنكِ لن تقرئيه، ولن تحاسبيني عما جاء فيه، اعتبريه هدية متأخرة من أبي، فلا تواصلي معاتبته (هناك). برغم كل شيء، لقد أحبّك...». ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، كل جزءٍ يأتي على فصول عدة. تروي مستغانمي حياتها على طريقتها. تحاول الغوص أكثر في عالمها الداخلي، فتحكي في الفصل الأوّل من الجزء الأوّل: «بعدك أصبحتُ أنت. أعدت اقتراف كل حماقاتك، خسرت بسخاء، وبسخاءٍ تهكمتُ على خساراتي. أكرمت أعدائي لأنّ لا قصاص أكبر من الكرم. أحببت كما لو كنتُ أنت، كذبت لأختلق لمواعيدي العاطفية ذرائع وهمية كما فعلت». تصلح هذه الجمل لنشرها كصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إنّها أقرب إلى الحكم منها إلى نصّ أدبي بحت. لكن مستغانمي نجحت في تكوين تلك الصورة حول ذاتها بأنها تكتب هكذا. فمن هنا يخلق هذا النص نوعاً من الارتباط مع «جماهير» تحب هذا النوع من الكتابة، وما وجود كتّاب مثل خولة حمدي (كاتبة «في قلبي أنثى عبرية») وسواها إلا مثال على أنَّ هذا النوع من الكلام «الموشّى» مرغوب لدى شريحة واسعة من القراء الذين يفضّلون التسطيح. تتناول التاريخ الجزائري المليء بالحكايات والأحداث وتربطها بحياتها الخاصة: «حدث ذلك من قبل، في زمن الأمير عبد القادر (وتقصد الأمير عبد القادر الجزائري الثائر المعروف)، الذي كان منذ شبابه يسافر إلى الحج، متبوعاً بقافلةٍ محملة بمكتبته، ولا يقصد أرض المعركة إلا مصحوباً بكتبه، وحين أرغم على الهجرة، حمل مكتبته بحراً وبراً من الجزائر إلى فرنسا ومن فرنسا إلى الشام.. لا أدري كيف استطعتُ إقناع جدتي باستقبال ثمانية مجلدات ما كان البيت ولا الظرف مهيأين لاستقبالها في زمن الأوبئة والمجاعة. ربما تقبّلت الأمر لأجلك، فقد كنت كل ما استطاعت إنقاذه من براثن الحرب والأمراض». في الجزء الثاني، تسير الكاتبة الجزائرية ذات المسير، وتبدأ بالفصل الأوّل هنا مازجةً بين التاريخ والشخصي على عادتها: «كان التاريخ جارنا المهيب، بيننا وبينه مسافة رصيف، لكنني لم أعِ ذلك إلا عندما أصبحت أشاهد حيّنا في نشرات الأخبار المسائية». تربط هنا بين الأحداث التي عصفت بالجزائر في مواجهة المحتل الفرنسي، ولا تنسى أن تورد شخصياتٍ ذات ثقلٍ ملحمي من نوع الثائرة الجزائرية المعروفة جميلة بوحيرد: «فقد صنعت صبية جزائرية تدعى جميلة بوحيرد الحدث، وهي تدخل المقهى بأناقة أوروبية وتترك حقيبتها تحت الطاولة، فيسقط إثرها روّاد المقهى بين موتى وجرحى» في إشارة إلى عملية مقهى Milk bar الشهير الواقع في الجزائر العاصمة. هي لا تنسى أن تدمغ كل شيء، بتعليقاتها ذات البعد الشخصي: «في عجلة رحيلهم، تمنّى الفرنسيون لو أخذوا معهم موتاهم، أو حتى أسماء قتلاهم المحفورة على النصب التذكارية، فقد كان لهم إحساس بأن الحجر أيضاً سيتنكر لهم».

تتناول التاريخ الجزائري المليء بالحكايات وتربط الأحداث بحياتها الخاصة

هل فعلاً تمنّى الفرنسيون ذلك؟ تلك هي لعبة الأدب عند مستغانمي، التي تستعملها في الكتاب كلما احتاجت. في الوقت عينه، تكتب الكاتبة لنفسها قبل الآخرين: تمدح نفسها، تربت على نفسها، وتصفق لنفسها حتّى: «النجاح الناقص الذي كوّن على حساب ما هو أساسي، يفسد أي فرحة، مهما كان الفوز عظيماً. كسبتُ التحدي، أثناء التزامي العائلي، كنت أواصل دراستي الجامعية وأقدم برنامجاً إذاعياً يومياً، وأكتب مقالاً أسبوعياً، وأيضاً أصدرتُ ديواناً شعرياً»! أو مثلاً حين تقول: «وجدتُ نفسي، لمصادفةٍ تاريخية، كاسحة للألغام، لا فتاة شقت طريق الضوء قبلي، في مواجهة تلك المدينة الذكورية، المتقصية لأخباري، المتربصة بأخطائي». اللافت في الكتاب، حين تتحدّث المشهد الثقافي في الوطن العربي، منذ وقتها وحتى وقتنا هذا: «بالنسبة إلى جيلي من الكتّاب المشبعين بالأفكار التقدّمية، كانت معركتنا أولاً ضد أدباءٍ مكرسين، تحولوا إلى ديناصورات جاثمين على الأدب بأفكارٍ رجعية، رافضين لنا حق الوجود، يحكمون السيطرة على اتحاد الكتّاب، وعلى كلية الآداب وكل المجالات الثقافية». إنها هنا تعرّي الحالة الثقافية لا في بلدها الجزائر بل في سائر المشرق والمغرب العربيين وهي الحالة المستمرة حتى اليوم.

أسلوباً، تحاول مستغانمي استنساخ تجربة «ذاكرة الجسد»، فتستخدم «الأقوال المشهورة» و«الجمل الشهيرة» لكتابٍ معروفين التي جعلت ما تكتبه قريباً من القرّاء. تأخذ من أسماء معروفة، غربية وعربية مثل فولتير، دوستويفسكي، وغسان كنفاني، ومريد البرغوثي، ورسول حمزاتوف، وأدونيس، وناظم حكمت، ومالك حداد... تستخدم هذه الأقوال بمثابة «قواطع» بين ما تكتبه وكنوعٍ من العناوين الداخلية لما تكتبه. لكن في «أصبحتُ أنت»، نجد ما ابتعدت عنه الكاتبة الجزائرية في أعمالها السابقة، إذ نعثر على قصص قصيرة للغاية مدموجة داخل نصٍ مسبوك بجمالية خاصة يستحق القراءة بنظر البعض، فيما قد يراه آخرون ثقيلاً بدون أي تقنيات كتابية. بعد الفصل الأوّل، يغدو الكتاب مكرراً معاداً، فيصبح مجرد سرد لأحداث تاريخية مع بعض التعليقات ذات البعد الحِكمي الطفولي.

 

 

 

 

 

 

 

 

( 35)  حنان سليمان إعلامية مصرية 

“أصبحتُ أنت”: سيرة أب في ذاكرة الحنين ( منصة نون بوست ) 

 

ثلاثون عامًا مرّت على وفاة أبيها حتى صدرت للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي سيرتها الروائية «أصبحتُ أنتَ» (هاشيت أنطوان: 2023)، تغزل فيها خيوط البنوّة والأبوّة والوطن والكتابة على نول الحياة. تلقّت مكالمة هاتفية حملت الخبر في يوم الرحيل، فطارت من بيروت إلى الجزائر عبر رحلتين، لتودّع في قسنطينة جيشها الأول وداعًا بهيًا، وهي بكامل أناقتها كما أرادها دومًا.

 

تنتمي مستغانمي إلى الفئة التي تفخر بالأب السند والداعم، لا إلى أولئك اللواتي يسردن طفولة بائسة أو حياة معنَّفة. في كتابها، تتقاطع المحبة بالخوف، والحماية بالفقد، وتطلّ البطولة من بين خيوط الحنين. تقول: “كل رجل مرآته امرأة… وأصدق المرايا عينا ابنته”.

 

تلتقي أحلام في كتابها الأحدث مع الفلسطينية أسماء عزايزة في مذكراتها «عام المتاحف الصغيرة» (روايات: 2025)، حيث تحكي بدفء وبلاغة عن فقدان الأب وامتداد أثره في الذاكرة.

 

في عام صدور «أصبحتُ أنتَ»، صدر للكاتب الأردني جلال برجس عمله «نشيج الدودوك» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر: 2023)، ليعيد إلى الواجهة جنس السيرة الروائية، ذلك النوع الأدبي الذي يقف في منطقة وسطى بين السيرة والرواية. يستند هذا الفن إلى وقائع حقيقية، لكنه لا يلتزم بها التزامًا توثيقيًا، بل يعيد صياغتها بروح الأدب مستخدمًا أدوات السرد من حوار ووصف وبناء شخصيات وتقطيع زمني ورمزية، ليحوّل التجربة الشخصية إلى قصة إنسانية عامة.

 

سيرة أب في مرآة الابنة

في هذا الإطار، تفيض سيرة مستغانمي بالحنين منذ عتباتها الأولى؛ من الغلاف الأبيض والأسود الذي يحمل صورتها في الأمام وصورة أبيها في الخلف، إلى الإهداء الموجَّه لأمٍّ رحلت بعد ابنها الأصغر، طلبت منها أحلام أن تعتبر الكتاب هدية متأخرة من الأب الذي أحبّها، وألا تعاتبه هناك.

 

الأبوة والبنوة وجهان في المرآة الأدبية لأحلام مستغانمي بهذا الكتاب الذي أتى مفعمًا بالذكريات، مسكونًا بالونس، مغمورًا بالحواس، ومليئًا بحزن الفقد وألم الغياب. تستعيد الابنة أباها العاشق والمناضل العروبي في التفاصيل الصغيرة التي لا تخطئها الذاكرة؛ في الدفتر والقلم، في مذاق البرتقال والسمك، في رائحة العطر الذي يعقب الحلاقة، في الموسيقى الجزائرية والفرنسية والمصرية، وفي الأناشيد الوطنية التي كانت تموج بها الروح. تراه في صوت ماكينة الخياطة (سنجر) التي أعالتهم بها الأم بعد اعتقاله وإيقاف معاشه، وفي مروءة لا تصمد أمام سحر النساء، وفي اسم أكبر من قدرة طفلة على حمله، هي كبرى أخواتها الأربع.

 

ما جدوى ما أكتبه ، مادام ليس في المقابر مكتبات . . ليقرأني أبي .#أصبحتُ_أنت#عيد_الأب 

 

 

_________

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

36 هبة الله الغلاييني

أصبحت أنت……لأحلام مستغانمي

 

 

أحدثت الروائية الجزائرية ضجة إعلامية كبيرة، بثلاثيتها الشهيرة (ذاكرة الجسد)، والتي حصلت فيها على جائزة نجيب محفوظ و( فوضى الحواس)، و(عابر سرير)، ثم توالت رواياتها التي حققت شهرة كبيرة، مثل (نسيان دوت كوم) و( الأسود يليق بك) وغيرها.

 

 

عام ٢٠٢٣، خرجت علينا بسيرة روائية عنوانها (أصبحت أنت) تفوق ثلاثمئة صفحة تقريباً.

 

 أهدت الكاتبة هذه السيرة الروائية إلى أمها قائلة:

 

 

( أمي، أهديك هذا الكتاب، مطمئنة أنك لن تقرئيه، ولن تحاسبيني عما جاء فيه، اعتبريه هدية متأخرة من أبي، فلا تواصلي معاتبته «هناك». برغم كل شيء، لقد أحبك…).

 

 أحلام مستغانمي كاتبة تخفي خلف روايتها أباً لطالما طبع حياتها بشخصيته وما من شك في أن مسيرة حياته التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت صدى واسعا عبر مؤلفاتها.

 

 

 

في روايتها (أصبحت أنت)، تخلد أحلام ذكرى والدها، محمد الشريف، والذي كان من هواة الأدب الفرنسي، وكانت لديه القدرة على سرد الكثير من القصص عن مدينته الأصلية مسقط رأسه (قسنطينة)، مع إدماج عنصر الوطنية وتاريخ الجزائر في كل حوار يخوضه، وذلك بفصاحة فرنسية وخطابة نادرة.

 

 

 

التوثيق والتاريخ

 

 وثقت الكاتبة في روايتها الخاص من زاوية التاريخ، وجعلت القارئ يرافقها إلى تلك الفترة، ويعيش بعض التفاصيل التي ذكرتها، خاصة فيما يتعلق بأحداث مضت من تاريخ الجزائر، لربما نتعرف ونحن نقرأ على بعض الأحداث. لكن هذا العمل يجعلك لا تتوقف عند هذا الحد، بل تبحث في كل ما قرأته سابقا، قد نعرف الكثير من الشخصيات التي ذكرتها مستغانمي، ولا شك قرأنا عن كل واحدة منها ما قرأنا، لكن الكاتبة استحضرت تلك الشخصيات التاريخية وأخرى انطلاقا من البعد الشخصي، للحديث عن أبعاد وطنية شكلت تداخلا بين سيرة أحلام وسيرة الجزائر.

ومن المهم أن نشير إلى نقطة لافتة تحدثت عنها الكاتبة في سيرتها هذه، وهي كيف حوربت كشابة عندما كانت تقدم برنامجا إذاعياً شهيرا في ذلك الوقت، يبث ليلا، يحمل عنوان «همسات»، وكل ما صادفته من عراقيل في بداية طريقها كطالبة متفوقة منعت من إتمام دراستها العليا، رغم أنها كانت ضمن أول دفعة معربة في الجزائر المستقلة.

 

 هل حوربت لأنها أول فتاة تكتب باللغة العربية؟ أم إنها حوربت لأسباب أخرى تتعلق بأسرتها ووالدها؟

 

الكتابة والدهشة

حين ينهي القارئ هذه السيرة الذاتية سيكتشف كل هذا وأسباب أخرى شكلت شخصية أحلام مستغانمي الأديبة التي حازت الدكتوراه من جامعة السوربون، تحت إشراف شيخ المستشرقين جاك بيرك، نالت الدكتوراه لكنها لم توقع يوما بذلك اللقب الأكاديمي لأنها أرادته هدية لأبيها وحده. والدها الذي تخاطبه في سيرتها هذه قائلة: « كل كتاباتي كانت تنقصها دهشتك، كل نجاحاتي كان ينقصها زهوك. أي شقاء أن تكتب للقارئ الوحيد الذي لن يقرأك».

 

 وعودة إلى رمزيات النص، فإن للحمام على سبيل المثال في هذه السيرة وظيفة الشخصية الروائية التي عليها أن تقول شيئا في الأخير. فهي عادت بالذاكرة إلى لحظات الاستقلال، ما بين دخول الثوار إلى العاصمة أو ما أسمته بفيلم مثير تحت عنوان « الاجتياح الكبير» وعودة الفرنسيين إلى فرنسا، أو ما عبرت عنه على أنه مسلسل كبير بعنوان « الهجرة الكبرى»، ذكرت الحمام الذي كان شاهدا من وجهة نظرها على التاريخ تقول: « تأملاتي الأولى حول الحرية، تشكلت وأنا أتأمل الحمام. ».

 

 مرض والدها

وعندما دخل والدها المصحة، كانت تأخذ لوالدها حلوى «الميل فاي»، أو «ذاكرة الزمن الصعب» على حد تعبيرها وعن طعم هذه الحلوى يقول والدها «تدرين… الإشكالية في كل ما هو حلو، هي أننا حال الانتهاء منه نحتاج إلى الماء، وعندما يذهب المذاق، نريد المزيد منه».

 

سيتوقف القارئ عند تحايل والدها على الطبيب الفرنسي بذكاء وكبرياء، حتى لا يعرف ذلك الطبيب أن ما أوصله إلى المصحة هو الجزائر، أي إنه مرض بسببها. هنا تبين كيف يخفي الرجل الحر مأساته الحقيقية عن الآخرين، حتى إنها أعادت روائيا كتابة رسائله، واستحضرت حتى حماسة تلك الليالي التي كان يقضيها ساهرا لأجل بلاده، وكيف يدرس كل عاملة تأتي إلى البيت لإيمانه بقدرة التعليم على إحداث الفارق الحقيقي في حياة البشر، إذ تروي في سيرتها هذه ما كانت تعنيه المكتبة لوالدها، المكتبة التي بسببها فقدوا كل مدخراتهم.

 

 

 

تقول: «كنت تحب الكتب كما رجال زمنك، وكانت أمي تحب المظاهر كما هو المجتمع اليوم، أما أنا فكنت أحبك، كما كل البنات المفتونات بآبائهن».

 

 وعن المكتبة تقول: «تلك المكتبة تختصر شخصية عائلتنا فردا فردا، كما تختصر ما آلت إليه الجزائر جيلا بعد جيل».

 

وللتاريخ العربي مكان

 

 في هذه السيرة الذاتية نقرأ عن مصر والمرحلة الناصرية، وعن عبد الحليم حافظ، إذ يكتشف القارئ أنها توثق بذكاء لتاريخ الجزائر انطلاقا من عدة تواريخ وأحداث متداخلة وصمت تلك الفترة.

في السيرة الكثير من الإشارات لجرائم فرنسا ضد الجزائريين أقلها ضررا الألقاب السيئة التي منحتها فرنسا للجزائريين، وتلك الألقاب كان فيها بتعبير مستغانمي «اغتيال معنوي للإنسان الجزائري». وذكرت في السيرة ثلاث فرنسيات، كل واحدة منهن تمثل نوعاً معيناً من الفرنسيين.

 

 هناك الفرنسية التي لم تغفر للجزائريين استقلالهم، والفرنسية التي حاولت أن تعيش مع الجزائريين، لكنها لم تستطع. والفرنسية التي خافت وغادرت.

تستحضر مستغانمي أيضاً الفرنسيين الذين كانوا مع الجزائر حتى إنهم عذبوا وقتلوا من أجلها، وهؤلاء يجب ألا يسقطوا من الذاكرة أبداً.

 

 وفي نهاية الكتاب تتساءل حين تصادف فرنسا هل هو مثل الطبيب الفرنسي الذي كان يعالج مجانين فرنسا والجزائر معا؟ أم إنه مثل الفرنسي الذي قتل الجزائريين كزوج مدام كوزيت؟ أم تراه مثل الفرنسي الذي ضحى بحياته من أجل القضايا الإنسانية العادلة أمثال ايفتون؟ وغيرها من التساؤلات.

 

 

 

المتعة السردية

 

حين تقرأ كتاب (أصبحت أنت) لن تصبح كما كنت، وهنا تكمن المتعة السردية في هذه السيرة الروائية التي جمعت بين الشخصي والأدبي، بين السياسي والعاطفي، وبين الواقعي والاجتماعي، وهي التي تقول «صغيرة وقعت في قبضة التاريخ، أصعب من الوقوع في الحب، الوقوع باكراً في إرث الذاكرة».

 

 

 

من أهم الاقتباسات من هذه السيرة الذاتية:

 

«بعدك أصبحت أنت. أعدت اقتراف كل حماقاتك، خسرت بسخاء، وبسخاء تهكمت على خساراتي. أكرمت أعدائي لأن لا قصاص أكبر من الكرم. أحببت الحياة كما لو كانت رجل حياتي، لأنك أحببتها كما لو كانت أنثاك. وضعت شرطا لقلبي ألا يحب إلا رجال المواقف، لأن الحب عندك كان قضية. لم أسأل يوماً أحداً عن ديانته، لأنك لم تسألني يوماً إلا عن أخلاق من عرفت».