هي القسنطينية، أنجبتها خلطةٌ عطريةٌ. فهي ابنة مدينة اعتادت كلّ ربيع إقامة كرنفال احتفالي، ينطلق في موكب بهيج من قصر أحمد باي، تتقدّمه عربات مغطاة بالورود، وفرق موسيقية تقليدية، إعلانًا عن بدء موسم تقطير الورد والزّهر في البيوت، ضمن طقوس وتقاليد عريقة تتوارثها القسنطينيات، فتعبق لأيّام أزقّة قسنطينة وبيوتها بالعطور

 

كنت كلَّما رأيت أمّي غارقةً في صمتها، منهمكةً أمام ماكينتها في خياطة شيءٍ ما، أعرف أنَّ صوت الماكينة هو صوتها الدَّاخلي، وأنَّها في كلِّ دعسةٍ على دوَّاسة الماكينة تدوس على قلبها لتُسكت صرخته، فأختلق أحاديث مسلِّيةً وأخبارًا جميلةً، عسى أن أغيِّر مزاجها وأشغل فكرها بأمرٍ آخر

اعتادت أمّي الثَّأر لكرامتها بالتَّميُّز. فالزوجة القويّة تتجدّد عندما تأتيها الطعنة، وتخفي بالتألّق جرحها . لم يكن في متناولها سوى ماكينة الخياطة، فخاضت برفقتها كلَّ معاركها، في مواجهة الألم، ومواجهة الحاجة، ولترويض أحلامها

 

 

كما الشِّعر بالنسبة لك، كانت الخياطة ملاذ أمي ، ووسيلةً تُثبت بها تفوُّقها على الأخريات في ذوقها وأناقتها. كنت أرافقها إلى محلِّ لوازم الخياطة، وأراها تختار أزرارًا لأثوابنا كما لو كانت تختار قافيةً لقصيدة، فلم يحدث أن وضعت زرًّا عاديًّا لثوب. تُفاضل طويلًا بين أنواع الأقمشة ورسوم الدَّانتيل المختلفة، وتتردَّد بين درجات الألوان وبين القطيفة والسَّاتان لتطريز ڤندورتها وترصيعها بالأحجار. سيِّدة التَّفاصيل الجميلة المبهرة، لكأنَّها توقِّع بها كلَّ قماشٍ يقع في يدها. على أيِّ بحور الشِّعر كانت تخيط أحلامها؟ وتشكُّ الدبابيس في ثياب أفراحها، وهي تدندن أغنيةً؟ وكيف لم تستطع أن تحمي بكشتبانٍ قلبَها، كما كانت تحمي إصبعها بذلك الطَّربوش الحديديّ من وخز الإبر؟

 

عندما وُلدت، سأل أبي أمّي ماذا تريد هدية، فطلبَت هذا الشال من الفروالذي كان على الموضة. في طفولتي،
كنت أفرح عندما تخرجه من الخزانة ملفوفًا بعناية
وألامسه طويلًا. حين توفّيَت، التقطت له صورة في غرفتها وأخذته معي. إنّ عمره من عمري.

 

كانت أمي تخيط ثيابها وتطرّزها بنفسها، وكانت فائقة الأناقة حتى تحت الحايك الذي ترتديه. لم يكن في
متناولها سوى ماكينة الخياطة، فخاضت برفقتها كلَّ معاركها، في مواجهة الألم، ومواجهة الحاجة، ولإسكات
صوتها الداخلي.
 


أمي وأختي صوفيا بالقندورة والمصاغ القسنطيني: الخلخال والسخاب المصنوع من أصابع الذهب المفتول
والعنبر الطبيعي الذي يعيش عطره الفوّاح عقودًا من الزمن في خزائن الجدّات، والمحزمة التي كثيرًا ما
رهنتها أمي في أزمنة الحاجة

أمّي في غرفة النوم التي كانت مملكة أبي. هنا اعتدت أن أجلس على طرف السرير وأتحاور معه


تمنّيت لو أنّني أشبه أمّي في تميّزها في كلّ شؤونها النسائية، لكنّها هي نفسها كانت تقول عني «النار تلد
الرماد» فقد سحبني أبي إلى عالمه وجعل هاجسي الأدب

 

                                  «معركة المكتبة»   

 

 

 فقد كانت أمور البيت من شأنها. أوصت نجَّارًا بصنع مكتبةٍ فخمةٍ رسمت بنفسها تصميمها وتفاصيل زخرفتها بقلم رصاصٍ على ورقٍ كبيرٍ شفَّافٍ أخذته من لوازم صوفيا التي كانت تدرس الفنون الجميلة. كانت أمّي موهوبةً في الرَّسم، تُجيد رسم المنمنمات إلى حدٍّ أدهش النَّجَّار الذي استغرق منه إنجاز ما طلبته أكثر من سنة، وكنَّا في أثناء عمله عليها نؤدِّي إليه أجره بالتَّقسيط. لكن، حين غدت المكتبة جاهزةً، رفض النَّجَّار أن يسلِّمها لنا، فلجمالها ما مرَّ أحدٌ بمحلِّه إلّا وعرض عليه شراءها. لكنَّ أمّي لم تستسلم، لا حبًّا في الكتب، بل في ما لتلك المكتبة من أبَّهة. فما كان منها إلّا أن خاضت ببسالةٍ وإصرارٍ «معركة المكتبة» التي انتهت في المحكمة

بعد ثلاث سنواتٍ من الانتظار، فزنا بها تزامنًا مع فوز عبد النَّاصر ببناء السَّدِّ العالي

 

 

كانت أمي تملك صبر النساء، قدرتهنَّ على الكتمان، كيدهنَّ واستمتاعهنَّ بالتقطيع إربًا إربًا.

هي خرِّيجة المطبخ، وأنت خرِّيج السُّجون. في كلِّ مرحلةٍ من حياتك وجدت نفسك مؤتمنًا على وثائق، على أسماء، على سرٍّ عليك أن تحميه، سرٍّ  قد لا يكون في خطورة ما كنت تخفيه أيَّام الثَّورة ،و أحرقته قبل أن يداهم البوليس الفرنسيُّ البيت في قسنطينة، و يقتادك إلى حيث توقَّع أن تعترف بما تعرف.

منذ ذلك الحين صادقتَ النَّار، لحظةَ أدركت أنَّ الأوراق قد تطيح بالأعناق، أمَّا أمِّي فصادقت المقصَّ، مذ فصَّلت به جهاز عرسها، ثمَّ ثيابًا لنا، ثمَّ ثيابًا لغيرنا، يومَ ما عاد لنا من موردٍ سوى ماكينة خياطتها.

 

 

قال سيدي عزّ الدّين لأمِّي  غداة الإستقلال و نحن  ندخل الجزائر في السيارة : «اخلعي الآن الحايك... إنْ دخلتِ به البيت لن تخلعيه أبدًا».

تردَّدت في خلع الحايك الحريريِّ الأبيض الذي كانت تلفُّ به نفسها منذ  إقامتها في تونس لخمس عشرة سنة. ناقشته لبعض الوقت، ولكنَّه أقنعها حين ذكَّرها بأنَّ  أختهما بديعةالتي حملت  مثله السلاح ،  عادت من الجبال سافرة

رأيتُ أمّي تنهض بعض الشَّيء عن مقعدها، وتسحب الحايك من تحتها، وتقوم بثنيه عدَّة مرَّات ووضعه في حجرها. كنا في ستينيات القرن الماضي .

 

 

تأخّرتُ في معرفة ‎أمي، اكتشفتها بعد رحيلها. تمنّيت لو أورثتني كبرياء صبرها، أناقة تفاصيلها، أنوثة أشيائها، حياء الحرير والدنتيل في خزانتها، حدسها الذي لا يخطئ في الحكم على البشر. لو استفدت من حكمة الأمثال القسنطينية التي تبرع في الاستشهاد بها، وكيف أدوزن مشاعري بالدقّة التي تدوزن بها مكوّنات صينية البقلاوة، التي تعدّها في الأعياد، فلا أزيدها عسلًا، ولا أنقص كمّية الجوز.

لو علّمتني إعادة تدوير الخيبات إلى أمل، كما تعيد تدوير الملابس لتمنحها حياة أخرى. أن أقطع العلاقات السامّة بحسم كما كانت تقطع الخيط بأسنانها. ألّا أطمئنّ للعلاقات الفضفاضة، وأفصّلها على قياس أصحابها، كما كانت بالطباشير تحددّ الأثواب التي تفصّلها. وكما كانت تحتفظ بقصاقيص الأقمشة، أن أتعلّم ألّا أفرّط في أي لحظة لأنّ الوقت قماش الحياة

أنتَ... لم تعلّمني شيئًا من كلّ هذا. هي نفسها كانت تردّد «كل ما تعلّمه أبوك انقلب عليه». وها قد انقلب عليّ ما علّمتني.